الزَّبَد في مواجهة ما ينفع النّاس: الحملة على عبد الله عزّام

أحمد بن راشد بن سعيّد

الأربعاء، 15 فبراير 2017 07:08 ص

قال لي الشيخ عبد الله عزّام عندما التقيت به في مؤتمر لرابطة الشباب المسلم العربي في الولايات المتحدة قبل استشهاده بعامين تقريباً إنه زار السعودية، فعرض عليه شباب أن يُسمعوه شريط كاسيت يحتوي هجوماً عليه، فقال: لا أريد، حتى لا أحمل في قلبي غلّاً على مسلم. هكذا كان أبو محمد، عبد الله يوسف عزام، سليم الصدر، طلق المحيّا، لا تفارق الابتسامة شفتيه. كنت في الثمانينيات رئيس تحرير مجلة طلابية في ولاية إلينوي الأميركية اسمها «المغترب»، فكان الشيخ يسألني كلما رآني بابتسامته العذبة: «لا زلتَ مغترباً؟». سألني مرّة في أحد مؤتمرات الرابطة: من أيّ قبيلة أنت؟ قلت: من تميم، فابتسم قائلاً: جاءنا في بيشاور تميمي من الشرقيّة! كان الشيخ منبهراً بالسعوديين وبقدرتهم على العطاء واستعدادهم للتضحية. في كلمة بليغة ألقاها في مؤتمر للرابطة قال: كنّا نظنّ أنّ الشباب السعوديين قتلهم التّرف، فإذا بنجد والحجاز تقذف إلينا من أكبادها. لا أنسى هذه العبارة لأنّني تأثّرت حينها وبكيت. سألته مرّة عن موقف الشيخ ابن باز من الجهاد الأفغاني، فابتسم ابتسامة عريضة، وأكّد لي حماس الشيخ لتحرير أفغانستان، ودعمه الكامل للمجاهدين.
لكن الأمور تغيّرت في السعودية، فالهجوم على ما يُسميّه المتصهينون «الإسلام السياسي»، وكل من ينتمي إليه، أصبح «اللعبة المفضّلة». في تقرير بالغ الركاكة والتهافت، هاجمت جريدة عكاظ، يوم الأربعاء الماضي، الشيخ عزّام، الذي كان له قصب السبق في حشد الدعم لمقاومة الغزو السوفييتي لأفغانستان بدعم سعودي رسمي وشعبي، وحمايته من التطرف أو الاقتتال الداخلي. وصفت الجريدة الشيخ بـ «الإرهابي الهالك»، وقبلها شتمه منتمون إلى جريدة «الشرق الأوسط» في لندن، أو قناة العربية ومركز المسبار في دبي، مثل مشاري الذايدي، وفارس حزام، وعبد الله بجاد، كما شتمه من جريدة الرياض عبد الله بخيت، ومن جريدة الجزيرة حماد السالمي، ومحمد آل الشيخ الذي علّق على هجوم للذايدي على عزّام في برنامجه «مرايا»، على قناة العربية، بالقول: اختصرت هذه الحلقة «عن الأفّاك المتأسلم، عبد الله عزّام...تاريخ هذا الكلب الإخواني في عشر دقائق». لا يكفّ هؤلاء عن التطاول على الشيخ حتى بعد 26 عاماً من استشهاده وولديه في تفجير غادر في بيشاور عام 1989.
بعد الذي نشرته «عكاظ»، قرّرت إشهار وسم يدافع عن الشيخ عزام، ليَظهر للعالم أنّ القلّة التي تزعق ضد الإسلام ورموزه في وسائط سعودية لا تمثّل السعوديين. اشتعل الوسم بآلاف التغريدات، فوجدتها فرصة للتذكير بالإنتاج العلمي للشيخ في الفقه والعقيدة والثقافة والسياسة والأدب. كان الإقبال عظيماً، وتعرّفت أجيال جديدة على عزّام مستنكرةً الحملة عليه. لكن كان مؤلماً أنّ عدداً من المتديّنين البارزين في الوسائط الاجتماعية، وبعضهم يتابعه الملايين، لم يعلّقوا ببنت شفة في الوسم. تلك مصيبة أخرى قد تهون عندها مصيبة «عكاظ»!
من الذي يعطي وسائط كجريدة عكاظ أو قناة العربية وغيرهما حقّ وصم من تشاء بالإرهاب أو التطرّف، وكيف يمكن أن يفلتوا من المساءلة؟ إنّ اتهام رمز كالدكتور عزام بالإرهاب يتجاوز محاولة النيل من تاريخه إلى وصم السياسة السعودية خلال عقد كامل بدعم الإرهاب. عزام كان أستاذاً بجامعة الملك عبد العزيز بجدّة، التي أعارته للجامعة الإسلامية الدوليّة بإسلام أباد، وبعد ان انتهت مدّة إعارته، تعاقدت معه رابطة العالم الإسلامي وانتدبته للتدريس في الجامعة الباكستانية عينها. بل إن تجريم عزّام تجريم لأمتنا السّنيّة كلها بوصفها أمّة إرهابية تعتنق ديناً إرهابياً، الأمر الذي يتسق مع خطاب الإسلاموفوبيا، وشيطنة الرئيس الأميركي ترمب للإسلام.
تخلّى عزّام عن متاع الدنيا، واستشهد وابناه في ساح الشرف مقبلين غير مدبرين. أما الشاتمون، فسينتهون إلى قاع التاريخ، ويبقى عزام حيّاً في ذاكرة الأجيال، كما هو حيٌّ يُرزق عند ربّه. وكما سمعته أكثر من مرّة يردّد بصوته المبحوح وترتيله الشجي: «كذلك يضرب الله الحقّ والباطل، فأمّا الزّبَد فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع اّلناس فيمكث في الأرض».

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.