خف الله قدر قدرته عليك

احمد المحمدي خضر

الجمعة، 19 مايو 2017 06:55 ص 44

الآن وقد اقترب شعبان من نهايته، وأوشك على الرحيل مؤذناً بقدوم شهر رمضان العظيم، لابد لنا من وقفة مع أنفسنا، فالعاقل من استدرك أخطاء نفسه قبل رمضان، وعلم من أن يؤتى، حتي ينعم بالصيام والقيام، ومن الأمور الهامة التي يجب علينا الانتباه لها: استحضار عظمة الله ومراقبته في السر والعلن، أمام الناس وفي الخلوات، فإن أعظم ما يكون العبد صادقاً من نفسه: حين يخلو ويبتعد عن رقابة الناس، فإما تقي محسن، أو عابث عاص مضطرب المزاج، يظن الرقابة حين يخلو قد انعدمت، وما يدريه تحذير رسول الله صلي الله عليه وسلم حين قال: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباءً منثوراً، قيل: يا رسول الله صفهم لنا، جلّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم؟ قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلو بمحارم الله انتهكوها».
هذا أمر جد خطير، فإن العاقل لا يجمع الدر والجواهر في جراب مقطوع، بل يجتهد في الإحكام ليخلو له ماله ويحفظ، وكذلك أنت لا تجمع حسناتك وأنت تعلم أن جرابك أخرق، واستحضر قول ربك {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} واعلم أن الله جل وعز يعلم كل شيء عنك {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون}
إن من أعجب الأشياء أن تعرف الله ثم تعصيه، وتعلم قدر غضبه ثم تعرض له، وتعرف شدة عقابه ثم لا تطلب السلامة منه، وتذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تهرب منها ولا تطلب الأنس بطاعته.
يقول قتادة: «ابن آدم، والله إن عليك لشهوداً غير متهمة في بدنك، فراقبهم، واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله»، يقول تعالى (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَـكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ ). [فصلت:23،22]. قال ابن الأعرابي: «آخر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد»، ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق:16].
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل.......خلوت، ولكن قل عليّ رقيبُ
ولا تحســـبنّ الله يغفـــل ساعــةً.......ولا أن ما نخفيــه عنه يغيبُ
هذا ما يجب أن ننتبه له قبل رمضان: مراقبة الله سراً وعلنا، ولا غرو فقد كان هذا بعض دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: «وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة».
وكان هذا دعاء الصالحين، يقول بكر المزني يدعو لإخوانه: «زهّدنا الله وإياكم في الحرام، زهادة من أمكنه الحرام والذنب في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه».
وقال بعضهم: «ليس الخائف من بكى فعصر عينيه، إنما الخائف من ترك ما اشتهى من الحرام إذا قدر عليه».
إذا السر والإعلان في المؤمن استوى** فقد عزّ في الدارين واستوجب الثنا
فــإن خالـــف الإعـــلان ســـراً فمـا له**على سعيه فضــل سوى الكدّ والعنا
يقول ابن رجب رحمه الله: « تقوى الله في السر، هي علامة كمال الإيمان، ولها تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبها الثناء في قلوب المؤمنين».
قال أبو الدرداء: «ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين».
وقال سليمان التيمي: «إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته». وقال غيره: «إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك الذنب عليه».
وقد روي في هذا عن أبي جعفر السائح قال: «كان حبيب أبو محمد تاجراً يكري الدراهم، فمر ذات يوم بصبيان فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه، وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب، إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فاعتقني، فلما أصبح تصدّق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مرّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى. ها هي نسائم الخير أتت مقبلة، فاستعد أخي الحبيب أن تعظم رقابة المولى الجليل لتنعم في دنياك وآخراك.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.