الأمم المتحدة فقدت مصداقيتها بعد الاستسلام لضغوط تل أبيب وواشنطن

خالد أحمد

الأربعاء، 31 مايو 2017 01:02 ص 89

تقرير استقصائي ثم استقالة، أحدثا ضجة كبرى في أروقة منظمة الأمم المتحدة في منتصف شهر مارس الماضي، التقرير نشرته اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا المعروفة بـ «الإسكوا» (تابعة للمنظمة الدولية) عن العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين، الأمر الذي دفع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش -بعد ضغوط قوية من الدولة العبرية وحليفها الاستراتيجي الولايات المتحدة الأميركية- لمطالبة ريما خلف الأمينة العامة للجنة «الإسكوا» بحذف التقرير، في نهاية المطاف انتهت باستقالة علنية أثارت عاصفة كبيرة حول استقلالية الأمم المتحدة.
البروفيسور الأميركي ريتشارد فولك الذي كتب تقرير «الإسكوا» المثير للجدل يحكي لـ «العرب» رؤيته لمنظمة الأمم المتحدة بعد حذفها تقريره الاستقصائي، وقدرتها على دعم حقوق الشعب الفلسطيني في ضوء ذلك.
ويكشف فولك -الذي عمل مقرراً للأمم المتحدة معنياً بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967- دور المنظمات اليهودية في أوروبا وأميركا في الدفاع عن إسرائيل وتشويه صورة منتقديها، وكيف يقع النظام المصري تحت وطأة المسؤولية الجنائية بسبب موقفه تجاه فلسطين.

يعتقد الكثيرون أن كل اليهود متحيزون تماماً لإسرائيل.. لماذا تضامنت مع مظالم الفلسطينيين لدرجة أن تل أبيب لا ترحب بك على أراضيها رغم أنك يهودي؟
- منذ بداية الحركة الصهيونية كان هناك العديد من اليهود، من بينهم أصحاب مكانة مرموقة في بلدانهم عارضوا أو انتقدوا بشدة الأيديولوجية الصهيونية، وكذلك الطريقة التي أنشئت بها إسرائيل وتطورها في وقت لاحق بعد عام 1948، والأهم من ذلك ما حدث بعد عام 1967، زعم أنصار إسرائيل الذين تشجعهم تل أبيب بقوة أن الحكومة الإسرائيلية هي المتحدث باسم جميع اليهود بغض النظر عما إذا كانوا يقيمون في إسرائيل أو لا، في المقابل إذا تم رفض هذا الادعاء بتمثيل إسرائيل لليهود على مستوى العالم سيتم اعتبار هذا الشخص معادياً للسامية أو يهودياً كارهاً لنفسه، أو توليفة أخرى من التهم.
وقد دعمت بصورة متزايدة مظالم الشعب الفلسطيني من وجهة نظري المزدوجة أولاً: كخبير في القانون الدولي، وثانياً: بوصفي إنساناً معنياً باضطهاد ومعاناة الآخرين بغض النظر عما إذا كنت أتشارك الخلفية الإثنية (العرقية) والدينية مع الضحية، لقد اتخذت هذه المواقف دون أن أضمر أي مشاعر كراهية تجاه اليهود أو الشعب اليهودي، أو تجاه أي شعب بغض النظر عن العرق، إن إحساسي بالهوية مرتبط بشكل وثيق بالإنسانية المشتركة وبالتضامن مع ضحايا الإساءة أكثر من حقيقة كوني يهودياً، وأنا أُكَوّن أفكاري من التقاليد اليهودية، خاصة الأصوات النبوية في الكتاب المقدس، أيضاً من الاطلاع على البوذية والمسيحية والإسلام.

كيف تستخدم إسرائيل ذريعة معاداة السامية لإسكات الأصوات الناقدة لها في العالم الغربي؟ وما كبرى المؤسسات الخانقة للأصوات الأكاديمية الرافضة لسياسات حكومة تل أبيب؟
- بدعمٍ من جماعات الضغط الإسرائيلية والمجموعات الصهيونية المتشددة والناشطين الصهاينة المتطرفين، هناك حملة متضافرة في أوروبا وأميركا الشمالية لتشويه سمعة منتقدي إسرائيل بوصفهم «معادين للسامية»، والتي أصبحت منذ الإبادة الجماعية النازية واحدة من أكثر الطرق فعالة لتشويه السمعة وتشتيت الانتباه، وعندما لا تُسكت هذه الحملة منتقدي إسرائيل، كما في حالتي، فإن تأثير هذه الاتهامات الضارة يكمن في تحويل الحوار إلى جدال، وبالتالي صرف الاهتمام بعيداً عن المحنة اليومية التي يتحملها الشعب الفلسطيني. وهكذا فإن ادعاءات معاداة السامية لها وظيفتان على حد سواء فهي تعمل كسيف يصيب منتقدي إسرائيل، ودرع لصد هذه الانتقادات.

هل أصبح من المستحيل بالنسبة للفلسطينيين الحصول على حقوقهم المشروعة عبر المنظمات الدولية بعد رفض الأمم المتحدة لتقرير منظمة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا» الذي قمتم بكتابته؟
- إن رد الفعل على تقرير»الإسكوا» الذي قمت بكتابته والمعنون «ممارسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الفصل العنصري» كشف النقص في الاستقلالية والموضوعية داخل الأمم المتحدة عندما وضعت تحت ضغط جيوسياسي شديد من جانب حكومة الولايات المتحدة الأميركية، بدا واضحاً أنه عندما أمر الأمين العام للأمم المتحدة «الإسكوا» بإزالة تقريرنا من موقعها على الإنترنت، أنه كان يستسلم لضغوط تمارسها الولايات المتحدة التي ندد سفيرها لدى الأمم المتحدة بالتقرير دون إبداء الأسباب بمجرد إصداره دون أن يقرأه ويطالب برفضه، وبطبيعة الحال كانت النتيجة مختلطة، فعلى الجانب الإيجابي استقالت ريما خلف -رئيس اللجنة- التي تحظى باحترام كبير، ورفضت من حيث المبدأ اتباع توجيهات الأمين العام، وأدت العاصفة التي صاحبت إصدار التقرير إلى جعل التقرير أكثر تأثيراً، وقراءته على نطاق أوسع مقارنة بما كان عليه إذا تم التعامل مع التقرير بشكل مناسب، أما الجانب السلبي فقد كان الدليل القوي على أن الأمم المتحدة غالباً ما تكون عاجزة عن العمل بفعالية لدعم الشعب الفلسطيني، وكفاحه الطويل من أجل حقوقه الأساسية، لقد تم تحييد الأمم المتحدة جيوسياسياً كفاعل سياسي، حتى عندما تتصرف بتحدٍّ صارخ ومستمر للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ما تقييمك لوثيقة حماس السياسية الجديدة؟
- أعتقد أن وثيقة حماس تتحرك نحو اعتماد نهج سياسي لعلاقاتها مع كل من إسرائيل ومصر، ويعني هذا النهج السياسي الرغبة في وضع ترتيبات مرحلية طويلة الأجل للتعايش السلمي مع إسرائيل والتطبيع مع مصر. وتعرب حماس عن هذا الاستعداد من خلال الإشارة إلى استعدادها للسماح بإنشاء دولة فلسطينية على الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ نهاية حرب 1967. هذا التحول من قِبَل حماس لا يعترف بشرعية إسرائيل كدولة، ولا ينطوي على نبذ ميثاق حماس عام 1988، رغم أنه يتخلى عن الخطاب المعادي للسامية، ويجعلها تبدو أكثر استعداداً لتحقيق أهدافها دبلوماسياً وسياسياً وليس بالاعتماد على الكفاح المسلح، دون التخلي بأي شكل من الأشكال عن حقوق المقاومة، بما في ذلك المقاومة المسلحة.

يتزايد الآن الحديث عن «صفقة القرن» يقودها ترمب بين الفلسطينيين والإسرائيليين.. ما هي توقعاتكم لهذه الصفقة؟
- لا يوجد أي شيء إيجابي للشعب الفلسطيني يمكن أن ينبثق من موجة التكهنات حول توصل ترمب قريباً إلى اتفاق سلام نهائي، وتهتم إسرائيل بإدارة الوضع القائم مع زيادة استحواذها على الأراضي تدريجياً من خلال المستوطنات والجدار العازل والمزاعم الأمنية، ومختلف طرق التلاعب بالخصائص السكانية (الديموجرافية)، تفتقر فلسطين إلى القيادة الموثوقة القادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني، ويعكس هذا جزئياً ضعف مصداقية السلطة الفلسطينية وسجلها الضعيف، والانقسام العميق بين حماس وفتح. فالوحدة الفلسطينية والقيادة الموثوق بها شرط مسبق لاستئناف الدبلوماسية الحقيقية نحو السلام، ولا ينبغي الخلط بين الضغط الجيوسياسي والدبلوماسية، ولن ينتج سلام مستدام مع تركيز السلطة الفلسطينية على جانب أحادي مفضل لدى إسرائيل ويتخفى كحل للقضية.

هل تكره إسرائيل وجود أنظمة ديمقراطية في المنطقة العربية خاصة بالدول المجاورة؟ ولماذا؟
- تعارض إسرائيل ظهور الديمقراطية في الشرق الأوسط لعدة أسباب، والسبب الأثر وضوحاً هو أن الحكومات العربية بقدر ما تكون ديمقراطية بقدر ما سينعكس ذلك في سياساتها، ومشاعر المواطنين الداعمة للفلسطينيين، والحكومات العربية التي تلتزم بالقيم الديمقراطية هي أكثر تضامناً مع النضال الفلسطيني، كما أنه من الأسهل على إسرائيل أن تقوم بترتيبات براجماتية مع زعماء استبداديين ليس لديهم سوى قدر ضئيل من المساءلة تجاه شعوبهم، وقد أبدى هؤلاء الحكام استعداداً سخياً للتضحية بالفلسطينيين من أجل مصالحهم الاستراتيجية الوطنية، وأصبح ذلك أكثر وضوحاً في نوعية الدبلوماسية التي اتبعتها دول الخليج خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تجلى بشكل كبير خلال الهجمات الضخمة الثلاث التي شنتها إسرائيل على غزة خلال العقد الماضي، والتي دمرت سكاناً مدنيين ضعفاء تماماً.

لماذا تمتدح مراكز التفكير اليميني المتطرف، مثل معهد «جيت ستون انستيتيوت» ومنتدى الشرق الأوسط المعروف بدعمه المطلق لإسرائيل، عبدالفتاح السيسي؟
- ردودي السابقة توضح أن مجتمع السياسة الإسرائيلية مسرور بمصر التي يحكمها زعيم استبدادي يتبنى جدول أعمال يعطي الأولوية لقمع الإسلام السياسي، في هيئة الإخوان المسلمين، ونظام الحكم المصري في ظل وجود السيسي هو بالضبط ما تريد إسرائيل أن تراه في جميع أنحاء المنطقة، وإذا لم يكن كذلك، فإن الخيار الثاني هو إطالة أمد الفوضى مثلما يحدث في سوريا والعراق واليمن.

كيف ترى موقف إسرائيل من النظام المصري الحالي؟
- تبدو إسرائيل سعيدة تماماً بالحكومة الحالية في مصر برئاسة عبدالفتاح السيسي، وأيضاً بالسياسات التي تتبعها القاهرة في الداخل وفي المنطقة، وهذا يتناقض مع ما أبدته الحكومة الإسرائيلية من قلقها بأن ترفض مصر في عهد السيسي معاملة إسرائيل للفلسطينيين خاصة في غزة، وربما تغير موازين القوى في المنطقة بطرق تتنافى مع مصالح إسرائيل.

كيف ترى الخناق المصري المفروض على غزة بإغلاقها معبر رفح البري؟ وكيف يمكن إنهاؤه؟ وما التوصيف القانوني لتلك الحالة؟
- أنا أفسر السياسات المصرية تجاه غزة منذ انقلاب السيسي في عام 2013 كمزيج من التعاون المتجدد مع إسرائيل بشأن قطاع غزة، الذي تزيد من حدته وجهة نظر القاهرة بأن حماس مستوحاة من جماعة الإخوان المسلمين وانتمائها للجماعة التي تعتبرها الحكومة المصرية العدو الأول لها، أنا لست على دراية بتفاصيل السياسة المصرية، ولكن يبدو أنها تنطوي على التواطؤ، وبالتالي المسؤولية الجنائية مع إسرائيل في فرض ومساعدة وتحريض إسرائيل لتنفيذ عقاب جماعي غير مشروع على السكان المدنيين في غزة منذ عام 2007.

في رأيك، ما الدول الأكثر دعماً للقضية الفلسطينية؟
- أود أن أقول إنه لا توجد دولة عربية تؤيد نضالاً حقيقياً للفلسطينيين في الوقت الحاضر، ومن السخرية أن الدول الأكثر دعماً هي دول غير عربية مثل تركيا ودعمهم محدود للغاية، إنه لأمر محزن يجسد انحراف السياسات الإقليمية، وعدم حصول الفلسطينيين على دعم حكومي في العالم العربي، وهو واقع يتجلى في حقيقة أنه في حال وضع مواطني هذه الدول سياسات الدولة فإن الفلسطينيين سيحصلون على دعم قوي؛ لذلك ترتبط آمال الفلسطينيين في المستقبل ارتباطاً متزايداً بتفاعل مقاومتهم مع حركة تضامن متنامية في أوروبا وأميركا الشمالية. ولقد أثبتت الأمم المتحدة والدبلوماسية التقليدية، التي تمارس في إطار أوسلو منذ أكثر من 20 عاماً، أنها لا يمكن أن تحقق شيئاً يذكر عندما يتعلق الأمر بحماية الحقوق الفلسطينية.

يهودي مناهض لإسرائيل


يعمل ريتشارد فولك أستاذاً فخرياً للقانون الدولي في جامعة برنستون الأميركية، ومقرراً سابقاً للأمم المتحدة معنياً بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 منذ عام 2008 حتى عام 2014، وعُرف بمواقفه المناهضة للسياسات الإسرائيلية، والمؤيدة للحقوق الفلسطينية.
ووُلد فولك في 13 نوفمبر 1930 في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، وينحدر فولك من أسرة يهودية أميركية، ولكنّ انتماءه العِرقي لم يؤثر في مواقفه السياسية أو يدفعه لتبني مواقف منحازة أو مجاملة لإسرائيل في اعتداءاتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان في فلسطين المحتلة.
وحصل فولك على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا عام 1952، ثم حصل لاحقاً على شهادة الليسانس في الحقوق من جامعة ييل، واستكمل دراسته بالحصول على الدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد في عام 1962.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.