«حصار قطر» تجاوز وسائل القانون الدولي السلمية في فضّ النزاعات‏

أ. د. ياسر الخلايلة

الإثنين، 19 يونيو 2017 03:27 ص

سعى المجتمع الدولي إلى وضع مبادئ لتنظم العلاقات الدولية، أملاً أن تكون كفيلة بإنهاء الخلافات والنزاعات الدولية. وكثيرة هي المواثيق الدولية التي نصت على ضرورة تسوية المنازعات الدولية بصورة سلمية، ‏بدءًا من اتفاقية لاهاي لعام 1907، ثم عهد عصبة الأمم ‏لعام 1919، ومروراً بميثاق لوكارنو ‏عام 1925، وميثاق التحكيم ‏لعام 1928. أمّا ميثاق الأمم المتحدة، فألزمت المادة 2/3 منه الدول على «فض منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن الدولي عرضة للخطر.» ‏وكما تُلزم المادة 2/4 ‏الدول بـ «الامتناع في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها، ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأية دولة على أي وجه آخر لا يتفق وقصد الأمم المتحدة «. أما المادة 33 منه فقد نصت على أنه «يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأ إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية، أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها».
وباستقراء تلك الوسائل، ‏نجد أن الوسائل الدبلوماسية ‏هي أهم وسيلة ودّية في تسوية المنازعات، وحتى بدرجة أكبر من اللجوء إلى القضاء، ‏حيث تلعب إرادة الدول في الوسائل الدبلوماسية دوراً كبيراً للوصول إلى نتائج تُحترم، ذلك لأن المنازعات ‏إذا كانت سياسية لا يمكن حلها إلا بطرق دبلوماسية أو سياسية، يراعى فيها بالدرجة الأولى التوفيق بين مختلف المصالح المتضاربة، على عكس المنازعات القانونية التي عادة ما تحال إلى التحكيم أو القضاء الدوليين، وتضفي إلى حلول تتعلّق فقط بالطلبات المبيّنة في الدعاوى المقدّمة، وقد لا تحقّق التوافق إلى ما أبعد من ذلك. وكما أن حل المنازعات بالطرق السلمية يحفظ حقوق الدول ويصونها من الاعتداء، ويعمل على توفير أجواء أكثر إيجابية تحول دون الإضرار بحقوق الغير، تتميز الوسائل الدبلوماسية منها بأنها يجب ألّا تمارس إلّا برضا واتفاق الأطراف المتنازعة التي تقبل نتائجها طواعية، باعتبار أن الدول متساوية في الحقوق والواجبات، وفي تمتّعها بجميع ما للسيادة الدولية من خصائص وميزات أقرّها القانون الدولي.
وتتمثل هذه الوسائل
بـ «المفاوضات، المساعي الحميدة، الوساطة، التحقيق»، غير أنّنا لم نر في أزمة الخليج المتمثّلة بحصار دولة قطر الجائر من قبل السعودية والإمارات والبحرين، استنفاداً لأي من هذه الوسائل المتاحة، والتي كانت ربّما الأجدر في الاتباع للوصول إلى أي تفاهم مع دولة قطر، بغية الوصول إلى نتائج أسرع وأقرب رحماً.
أولاً- المفاوضات:
تعتبر هذه الطريقة من أقدم الطرق في تسوية المنازعات وأكثرها انتشاراً وأقلها تعقيداً. حيث إنّها تقوم على الاتصالات المباشرة بين الدول المتنازعة، بغية تسوية النزاع القائم بينهما عن طريق اتفاق مباشر. والمقصود بالمفاوضات هو تبادل الآراء بين الدول المتنازعة حول مشكلة النزاع بينهما، بغية الوصول إلى حلول مقبولة بين الأطراف جميعاً، ولغرض تسوية النزاع القائم بينها.
وعادة تجري المفاوضات بين وزراء خارجية الأطراف المتنازعة والمبعوثين الدبلوماسيين، أو من يوكل عنهم القيام بهذه المهمة. أو يتم تعيين مندوبين خاصين بالمفاوضة، حسب طبيعة النزاع. وتكون المفاوضات شفهية أو مكتوبة، أو بالجمع بين الطريقتين. وتتميز هذه الطريقة بصفتي المرونة والكتمان، وتتوقف فائدتها على الروح التي تسود المفاوضات، الأمر الذي يتطلب تكافؤ القوى السياسية المتنازعة، فالدول المتفاوضة التي لا تتمتع بقوة سياسية متعادلة، لا سيما الكبرى منها، تطغى على الدول الصغرى وتفرض عليها إرادتها.
المفاوضات المباشرة
وتعد المفاوضات المباشرة في الوقت الحاضر الأسلوب الأمثل في حل المنازعات الدولية، لأن الدول المتنازعة هي وحدها القادرة على فهم ظروف النزاع وملابساته. كما أن المفاوضات المباشرة لا تتطلب وجود طرف ثالث قد تكون له مصالح معينة في تسوية النزاع بطريقة تتلاءم مع مصالحه. ومن أمثلة المنازعات الدولية التي تمت تسويتها عن طريق المفاوضات وأدت إلى نتائج مبهرة، اتفاق فرنسا وممثلي الثورة الجزائرية على منح الجزائر استقلالها عام 1961، والمفاوضات التي جرت بين سوريا ولبنان في شهر آب 1973 لحل المشاكل العالقة بين البلدين.
هنا لا بد من القول إنّ القانون الدولي يتطلّب من الدول أن تستنفد واجب القيام بإجراء المفاوضات الدبلوماسية والاستمرار فيها إلى الحد الذي لا يعود فيه من المفيد متابعتها. ولا بد من أن تراعي دول النزاع هذه القاعدة العرفيّة من قواعد القانون الدولي في كل الأحوال. كما أن المعاهدات الدولية كثيراً ما تشترط استنفاد الطرق الدبلوماسية قبل إمكانها اللجوء إلى تسوية تحكيمية أو قضائية عن طريق محكمة دولية، وقد بحثت محكمة العدل الدولية الدائمة هذا المبدأ بشيء من التفصيل في قضية امتيازات مافروماتيس الفلسطينية لعام 1924، وقررت أنه وقبل «أن يكون في الإمكان إخضاع أي نزاع قانوني، يجب تحديد موضوعه بوضوح بواسطة المفاوضات الدبلوماسية». وقد اعترفت المحكمة بأنه، وفي كل قضية، يجب أن تكون هناك مفاوضات كافية قد سبقت عرض النزاع على المحكمة المختصّة.
ولا أدلّ على ما ذكرنا ممّا جاء في قضية حق المرور المقدمة من البرتغال ضد الهند أمام محكمة العدل الدولية، والمتعلقة بحق المرور في الأراضي الهندية، حيث أثارت الهند الاعتراض التالي: «أن البرتغال قبل أن تتقدم بادعائها في هذه القضية، لم تراع قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، تتطلب منها القيام بإجراء المفاوضات الدبلوماسية والاستمرار فيها إلى الحد الذي لا يعود فيه من المفيد متابعتها».
ونطرح في هذا المقام السؤال التالي: هل قامت دول الحصار على دولة قطر مراعاة أسس المفاوضات اللازمة قبل اتخاذها قرار الحصار؟ وهل تم تبادل الآراء بين تلك الدول مع دولة قطر حول المشكلة التي رأوها تستحق الحصار، بغية الوصول إلى حلول مقبولة؟ وهل تم التواصل في مفاوضات مباشرة بين وزراء خارجية تلك الدول مع وزير الخارجية القطري حيال المزاعم المطروحة؟ وهل حقاً تم القيام بإجراء المفاوضات الدبلوماسية والاستمرار فيها إلى الحد الذي لا يعود فيه من المفيد متابعتها وصولاً إلى قرار الحصار الغاشم؟
ثانياً - المساعي الحميدة:
ويقصد بالمساعي الحميدة الأعمال الودّية التي تقوم بها دولة محايدة أو صديقة للأطراف المتنازعة بقصد التخفيف من حدة الخلاف بين الدولتين المتنازعتين، وإيجاد جو أكثر ملائمة لاستئناف المفاوضات والوصول إلى تفاهم بينهم. وتهدف المساعي الحميدة إلى الوصول إلى الحلول السلميّة الملائمة، كما حصل في تسوية المنازعات الإقليمية بين فرنسا وتايلاند، بفضل المساعي الحميدة التي قامت بها الولايات المتحدة عام 1946، وكذلك مساعيها الحميدة لإنهاء حالة الحرب التي نشبت بين إندونيسيا وهولاندا عام 1948. وقد لعبت المساعي الحميدة في تسوية المنازعات الحدودية بين الدول دوراً فاعلاً في عودة الهدوء ونزع فتيل التوتر، وكان للمساعي الحميدة التي بذلتها الحكومة الأردنية عن طريق وزير خارجيتها عام 1969 بين العراق وإيران بشأن النزاع الذي قام بينهما، نتيجة قيام الحكومة الإيرانية بإلغاء معاهدة الحدود العراقية- الإيرانية المعقودة في 4 يوليو لإزالة التوتر الذي كان قائماً بينهما على الحدود.
وفي أحوال أخرى، لم تنتج المساعي الحميدة نصيباً من النجاح، وباءت بالفشل، لا سيما عندما اصطدمت بالتشدد في مواقف الأطراف المتنازعة أو إحداها. ومن أمثلة هذه المساعي التي لم يُكتب لها النجاح لجنة المساعي الحميدة الإسلامية التي تشكلت نتيجة اجتماع قمة منظمة المؤتمر الاسلامي في الطائف عام 1981، والتي بذلت جهوداً لوضع حد للحرب العراقية- الإيرانية التي نشبت جراء نزاع الحدود بينهما عام 1980 دونما أي نتيجة.
ويجدر القول هنا أنّه لا يوجد التزام على أية دولة أن تقدم خدماتها في المساعي الحميدة، كما أنّه لا يوجد أي التزام على أي طرف في نزاع ما قبول عرض المساعي الحميدة. ولا بد للدولة التي تبغي تقديم مساعيها الحميدة أن تحصل على موافقة أطراف النزاع أولاً. ويتم ذلك بأن تقابل كلاً من طرفي النزاع على انفراد، وأن تبذل ما يمكنها من مساع لخلق مناخ توافق فيه الأطراف المتنازعة على إجراء المفاوضات المباشرة بينها.
وهنا أطرح التساؤلات التالية: هل تقدّمت أي من دول الحصار بأي محاولات لجلب مساع حميدة أو صديقة للتفاهم مع دولة قطر قبل إقدامها على قرارها غير المشروع بالحصار؟ ألم تقدّم دولة قطر أنبل الصور في تفهّم دول الجوار ومحاولة احتواء الأزمة واستعداداً لقبول المساعي الحميدة من دول الخليج العربي على وجه الخصوص؟
ثالثاً- الوساطة:
وتعني الوساطة قيام جهة أو طرف دولي بمحاولة التوفيق بين أطراف النزاع، ليس فقط من خلال جمعهم على مائدة المفاوضات، كما هو الحال بالنسبة للمساعي الحميدة، وإنما المشاركة في تقديم المقترحات التي تكون من شأنها المساهمة في التوصل إلى حل وسط مقبول من جانب الأطراف المتنازعة. وتعتبر الوساطة عملاً ودّياً تقوم به دولة ثالثة، أو منظمة دولية أو إقليمية، من أجل حل نزاعات قائمة بين دولتين أو أكثر عن طريق الاشتراك بالمفاوضات التي تتم بين الأطراف المتنازعة، لتقريب وجهات النظر بينها، ووضع حلول مناسبة لحلها.
ولذلك، تتميّز الوساطة بأنّها طريقة مباشرة لتقديم مقترحات، يكون من شأنها المساهمة في التوصل إلى حل وسط مقبول من جانب الأطراف المتنازعة. كما يلاحظ أن الوساطة تفضل في أحوال كثيرة «المفاوضات» مع استخدام الوسيط الضغوط المناسبة على أطراف النزاع للوصول إلى حل سلمي يرضي الطرفين المتنازعين. وعليه، تختلف الوساطة عن المساعي الحميدة، في أن الطرف الثالث الذي يقوم بالمساعي الحميدة يكتفي بتقريب وجهات النظر بين الدولتين المتنازعتين، وحثهما على استئناف المفاوضات بينهما لتسوية النزاع من دون أن يشترك هو في ذلك. في حين أن الدولة أو الطرف الثالث الذي يقوم بالوساطة في المفاوضات لها أن يقترح الحلول التي يراها مناسبة في تسوية النزاع إذا تأكد أن هذه المقترحات تساعد أطراف النزاع على التوصل إلى نتائج مقبولة.
وكما هو الحال في المساعي الحميدة، لا يوجد التزام على أية دولة أن تقدم وساطتها، وإنما هي تقوم بذلك بملء إرادتها. كما أنّ الأطراف المتنازعة لها حريّة قبول أو رفض عرض الوساطة، ولها أيضاً قبول أو رفض ما تنتهي إليه الوساطة من مقترحات. وتنتهي مهمة الوسيط حينما تتم تسوية المنازعة أو رفض مقترحاته. وقد استدركت اتفاقيات لاهاي لعامي 1899 و 1907 أمر تنظيم الوساطة باعتبار أنّها لا يمكن أن تعتبر بحد ذاتها عملاً غير ودي، وأنه يحق للدولة إعادة عرض وساطتها رغم رفضها أول مرة. وأقرّت بأنّه مع أنّ الدول المتنازعة حرة في قبول الوساطة أو رفضها، وأنّه لا يعتبر القبول أو الرفض مخالفة لأحكام القانون الدولي، إلّا أن رفض الوساطة من قبل أيّ من أطراف النزاع يعتبر عملاً غير ودي. ومن أمثلة ذلك رفض هولندا وساطة الصين عام 1947 حول النزاع الذي نشب بينها وبين إندونيسيا، ورفض المغرب وساطة الجمهورية العربية المتحدة في حل النزاع الذي قام بينها وبين الجزائر في عام 1963 بخصوص الحدود بين الدولتين. ومن النتائج الإيجابية للوساطة ما كان في عام 1950، حيث عين مجلس الأمن القاضي أوين ديكسون، وعضو مجلس الشيوخ الأميركي السابق فرانك كراهام، وسطاء لحل النزاع بين الهند وباكستان حول كشمير.
أسلوب الوساطة في حل النزاعات
أمّا في العالم العربي، فقد أخذ ميثاق جامعة الدول العربية بأسلوب الوساطة لحل النزاعات التي تنشب بين الدول العربية في المادة الخامسة منه، على أنّه يحق لمجلس الجامعة السعي إلى إيجاد تسوية للنزاع بين دولتين من دول الجامعة، أو بين دولة من دول الجامعة ودولة أخرى، عن طريق الاشتراك في بحث أسبابه والعمل على تقريب وجهات النظر بينهما، لأجل التوفيق بين وجهات نظرهما بشأن موضوع النزاع، ولا يجوز للدول المتنازعة أن ترفض هذه الوساطة، ولكن موافقتها ضرورية لقبول قراراتها من قبل الأطراف المتنازعة.
وهنا أتساءل: ألم تفتح دولة قطر ذراعيها لوساطة دولة الكويت متمثّلة بأميرها المتمرّس صباح أحمد الصباح؟ ألم تنتظر دولة قطر وبفارغ الصبر نتائج رحلات أمير الكويت المكوكيّة بين السعودية والإمارات، ومطالب صريحة منها حيال موقفها من سياسة الدولة، وأبدت تفهماً منقطع النظير بالرغم من هول صدمة حصار الأشقّاء؟
رابعا- التحقيق:
ويقصد بالتحقيق الاتفاق على تشكيل لجنة دولية تتولى مهمة جمع وفحص وتحقيق الوقائع المتنازع عليها، وكتابتها في تقرير من دون أن تتخذ قراراً في ذلك، بل يترك أمر الحكم عليها إلى الأطراف المتنازعة.
وتكمن أهميّة التحقيق في أنّ معظم المنازعات الدولية تنطوي على عدم قدرة الطرفين المتنازعين على الاتفاق على الوقائع، أو عدم رغبتهما في ذلك. ولذلك، أصرّت الدول مع نشوء فكرة القانون الدولي المعاصر في أواخر القرن التاسع عشر إلى عقد عدد من الاتفاقيات الثنائية، التي تقضي بتشكيل لجان خاصة بتقصي الحقائق، مهمتها رفع تقرير عن الوقائع المتنازع عليها إلى الطرفين المعنيين. وهذا ما اقترحته روسيا عام 1899 في مؤتمر لاهاي الأول. ويكمن الغرض الأساسي في التحقيق تحديد الوقائع المادية والنقاط المختلف عليها بين الفرق المتنازعة، تاركاً لها استخلاص النتائج والبناء عليها. وقد أوضحت المادة التاسعة من اتفاقية لاهاي لعام 1907 أنّه إذا كان النزاع خلافاً على وقائع معينة يتعين على طرفي النزاع أن يعيّنا لجنة تحقيق دولية تقوم بفحص وقائع الخلاف والتحقق منها.
ولا يوجد التزام على أية دولة للّجوء إلى أُسلوب التحقيق، باعتبار أن لجنة التحقيق لا تتشكل إلّا بمقتضى اتفاق خاص بين الدول المتنازعة، تعرض فيه الوقائع المطلوب التحقيق فيها، كما أن النتائج التي تتوصل إليها لجنة التحقيق غير ملزمة لأطراف النزاع، ولا يمكن فرضها عليها. ولكن بالرغم من أنّ التحقيق يقتصر على إنتاج تقرير يحتوي على سرد للوقائع المطلوب التحقيق فيها، وأنّه نظام ليس إلزامياً أو ذا صفة دائمة، إلّا أن للتحقيق نتائج مبهرة إذا ما أخذنا النتائج التي ترتبت عن استخدامه. ويمكن عرض الكثير من الوقائع التي ثبتت فيها جدوى التحقيق، من ذلك ما توصّلت إليه أول لجنة تحقيق في أوّل قضية طبق فيها طريقة التحقيق وهي قضية «دوكر بنك» على إثر مهاجمة الأسطول الروسي لزوارق صيد يابانية في بحر الشمال عن طريق الخطأ عام 1904 على أساس أنها زوارق يابانية مسلحة. كذلك استعملت طريقة التحقيق في قضية الباخرة الهولندية (توبانسيا) التي غرقت في بحر الشمال عام 1916، حيث ادعت هولندا أن الباخرة هوجمت من قبل غواصة ألمانية، بينما زعمت ألمانيا أن الباخرة اصطدمت بلغم حربي مزروع في البحر. وقد شكلت لجنة للتحقيق في الحادث عام 1921 باتفاق الطرفين، وتوصلت إلى صحة ادعاءات هولندا، وكان أن وافقت ألمانيا على دفع تعويضات إلى هولندا على إثر هذا التحقيق. كما وقد تم اللجوء إلى التحقيق أيضاً في قضية الموصل التي طالبت بها تركيا بعد توقف الحرب العالمية الأولى، فعيّن مجلس عصبة الأمم لجنتي تحقيق عامي 1924 و1925 وعهد إليهما مهمة جمع المعلومات والحقائق التي تساعد في تعيين الحدود العراقية - التركية.
ومن ناحية أخرى، جاء في قواعد التحقيق في اتفاقية لاهاي الخاصة بالطرق السلمية لتسوية المنازعات الدولية لعام 1907، ما ينظّم بعض الأمور المهمّة المتعلّقة بمكان اجتماع لجنة التحقيق، واللغات المستعملة، واستدعاء الشهود، وسد الشواغر في اللجان، وتلاوة القرار، وتسليم نسخ منه للدول المتنازعة، وسمحت الاتفاقية للدول المتنازعة بإرسال مندوبين خاصّين من قبلها، لتمثيلها والعمل كوسطاء بين هذه الدول ولجان التحقيق.
وهنا أتساءل أيضاً: أليس محور مطالب دولة قطر يدور في فلك معرفة الحقائق أولاً؟ ألم يصرّح وزير الخارجية لدولة قطر بأن دولته لن تقبل الاتهامات المرسلة دونما تحقيق فيها؟ وهل تجرأّت دول الحصار على تقديم أي من الاتهامات مشفوع ولو بدليل؟
أختتم هنا بالقول إن الرشد، كل الرشد، في أن تتراجع دول الحصار عن موقفها وحصارها غير المشروع. فلم تعد المباغتة السياسية تنفع في معزل عن دعم قانوني لها. وإذا كان الاندفاع الهستيري لدول الحصار مجرّد معاكسة سياسية لا طائل منها، فالمعاكسة القانونية أجدر بالبقاء والصمود في ظل احتمالات كبرى ستُثبت أن الأخطاء السياسية بحجم الحصار لا تُغتفر، وأنّه لا بد للشقيقة السعودية الكبرى من أن تسحب قراراتها الجائرة في حق سيادة دولة قطر وسمعتها.

أضف تعليقاً

بواسطة: موفق الخالدي

الإثنين، 19 يونيو 2017 12:38 م

بوركت جهودكم دكتور ياسر على هذه المعلومات القانونية القيمة لقد أوضحت فأجملت ووضعت بساط الدبلوماسية السياسية أساس الحل بين الأشقاء ... اللهم احفظ أمتنا العربية الإسلامية من الفتن والمحن

بواسطة: د. صلاح زين الدين

الإثنين، 19 يونيو 2017 06:04 م

الشكر الموصول للدكتور ياسر على هذا المقال لما فيه من معلومات وتساؤلات قانونية محقة. وتحتاج اجابة ممن يعنيه الأمر. والامل كبير بالله والخييرين والناس العقلاء في تجاوز هذه المحنة بما يحفظ مصالح البلاد والعباد . ولكن هذه المحنه تدفع للتساءل بكل موضوعية وبكل براءة . لماذا محاضرة قطر برا وبحر وجوا ؟لمصلحة من يجري ما يجري؟ هل نحن في حلم أم في علم؟! الحصار بين الأخوة الأشقاء؟! بين الجغرافيا الواحدة؟! والتاريخ الواحد؟ والأسرة الواحدة؟! يا للهول ؟! إن حصار قطر أصاب الوجدان الواحد للإنسانية الفطرية. هذا الكلام ليس تزلفا لقطر أبدا. بل حرصا على سمعة من يحاصر قطر. ويفتح المحرمات المهلكات امام إسرائيل غير الشقيقة وغير العربية وغير الاسلامية التي تسرح وتمر في المسجد الأقصى المبارك. يا مغيث استر ؟!! والله من وراء القصد.