غزوة فتح مكة

د. حسن فوزي الصعيدي

الثلاثاء، 20 يونيو 2017 12:01 ص

بعد صلح الحديبية دخلت خزاعة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وثارات في الجاهلية، فلما وقعت هذه الهدنة، أمن كل فريق من الآخر، فأراد بنو بكر أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فأغاروا على خزاعة ليلاً، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، وقتلوهم ركعاً وسجداً، فانطلق رجال من خزاعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمعاونة قريش لبني بكر عليهم.
وحاول أبو سفيان بن حرب أن يتجاوز أثر هذه الحادثة، وذهب إلى المدينة، ينشد تجديد المعاهدة، وإقرار الصلح، فلم يفلح.
وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالتهيؤ، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة. وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيؤهم للزحف والقتال.
وغادر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة متجهاً إلى مكة، في عشرة آلاف من الصحابة -رضي الله عنهم- واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري.
وظل الجيش يتقدم حتى نزل بمر الظهران -وادي فاطمة- نزله عشاء، فأمر -صلى الله عليه وسلم- الجيش، فأوقدت عشرة آلاف نار، وأسلم يومها أبو سفيان بن حرب.
وظل الجيش الإسلامي يمر بأبي سفيان، وهو يتعجب من هذه الجموع وكثرة المقاتلين.
وقال سعد بن عبادة: اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشاً. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً».
وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق التي كلفت بالدخول منها. وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه فناوشوهم شيئاً من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلا، فانهزم المشركون.
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرم الله به من الفتح، ثم نهض، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: «جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» [والأصنام تتساقط على وجوهها، وهو يقول: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده].
ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ثم جلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فقال أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء، لا ينزعها منكم إلا ظالم.
وحانت الصلاة، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة.
ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب، فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها، صلاة الفتح.
ولما كان الغد من يوم الفتح، قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الناس خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات الأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، أو يعضد بها شجرة، فليبلغ الشاهد الغائب».
ولما تم فتح مكة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي بلده ووطنه ومولده، قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها، وهو يدعو على الصفا رافعاً يديه، فلما فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «معاذ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم».

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.