فتاوى الأزمات (1-2)

د. محمد عياش الكبيسي

الثلاثاء، 20 يونيو 2017 01:10 ص 349

ظاهرة في عالمنا العربي تستدعي الاهتمام والدراسة، وهي أنه مع كل أزمة سياسيّة أو حدث ذي شأن تتطاير الفتاوى من هنا وهناك؛ مع أو ضد، وربما تشكّل هذه الفتاوى جزءاً من ثقافة المجتمع ونظرته للأمور، لما للدين من حضور فاعل ومؤثّر في مجتمعاتنا.
من الملاحظ هنا أن المختصين بالعلوم السياسية لا يكاد يكون لهم صوت يذكر قياساً بأهل الشريعة والسادة المفتين والوعّاظ نزولاً إلى أصغر إمام في أصغر مسجد.
ومن الملاحظ أيضاً أن هؤلاء المشايخ لا يستفتيهم أحد في القرارات السياسية، وليس لهم نصيب في صناعة الحدث السياسي، وربما لم يكونوا مهتمين به أصلاً، لكنهم يتنبّهون فجأة عند وقوع الحدث، ليتذكّروا أن عليهم واجباً لا بد أن يقوموا به.
وهم لا يتكلمون كما يتكلم غيرهم بآراء قابلة للأخذ والرد، بل يستحضرون الآيات والأحاديث وفتاوى الأسبقين، وأذكر مثالاً على هذا أن أحد علماء العراق ودعاته المعروفين أصدر فتوى أيام الانتخابات الرئاسية في مصر، مضمونها وجوب انتخاب محمد مرسي -فرّج الله عنه- وحرمة انتخاب غيره، مستدلاً بمفهوم الشوكة، وراداً بالاسم على الشيخ القرضاوي، لأنه أبدى رأياً مخالفاً، وأغرب من هذا أن شيخاً آخر، وهو أيضاً من الرموز الفقهية المعروفة في العراق، ظهر على إحدى القنوات وأفتى بحرمة «الفيدرالية»، وشتم الداعين إليها بأقذع الألفاظ، ثم بعدها بأشهر دعاني أحد المقربين منه لحضور ندوة حول الفيدرالية، برعاية الشيخ، مؤكّداً أن الشيخ قد غيّر رأيه!
أتذكّر أيضاً محنة الكويت، وما أدراك ما محنة الكويت، حيث انقسم علماء الأمة انقساماً لا مثيل له، بين من يرى أن الوقوف مع صدّام واجب شرعي، تؤكّده كل آيات الولاء والبراء وأحاديث الجهاد، وضرورة مقاتلة العدو الصليبي الكافر، وبين من يرى الوقوف مع الكويت ودول الخليج وضرورة الاستعانة بالكافر لدفع الصائل، ولا أحد من الفريقين يراها مسألة اجتهادية، بل هو الدين، والحق الأبلج الذي ما بعده إلا الضلال والعمالة والخيانة!
وأذكر بسياق آخر مؤتمراً علمياً عُقد لمناقشة الأزمة الاقتصادية التي عصفت منذ سنوات بالولايات المتحدة الأميركية، وكانت لها تداعياتها على المستوى العالمي، وكان في المؤتمر عدد لا بأس به من مشايخنا الأفاضل الذين تمكّنوا من تسيير المؤتمر وفق التحليلات الشرعية المستندة إلى الآيات والأحاديث أيضاً، ومن ذلك قوله تعالى: «يمحق الله الربا»، وراحوا يبشّرون الحضور بأن أميركا ستمحق، وأن اقتصادها سيمحق بنصّ القرآن!
لا أدري كيف تجرأت ورفعت يدي ثم قلت: لا تذهبوا بعيداً أيها الإخوة، فماذا ستقولون لو أن الأميركيين تمكنوا من معالجة الأزمة، وخرجوا منها بسلام، أين تذهب هتافاتكم وخطاباتكم واستدلالاتكم؟
في الأزمة الحالية التي يشهدها الأشقّاء في دول الخليج، والتي فاجأت الجميع، لكن يبدو كأنها لم تفاجئ المشايخ، حيث تراهم يتسابقون لإصدار الفتاوى والبيانات، وكلّ على طريقته وبأسلوبه، فرادى وجماعات، تراهم يصبّون الزيت على النار، ويجيّشون العامة، ويعطون للأزمة بعداً دينياً خطيراً، ويظهرون حماساً ربما أكثر من (أولي الأمر) وأصحاب الشأن أنفسهم! مع أنهم بكل تأكيد قبل ليلة واحدة لم يكونوا يعرفون عنها شيئاً، ولا أحد استشارهم بشيء.

أضف تعليقاً

بواسطة: نواف العباسي

الثلاثاء، 20 يونيو 2017 12:17 م

أحسنت أخي الدكتور الكبيسي... ما تفضلت به هو بسبب عدم وجود مرجعية سنية شاملة فصار المشايخ لا يفكرون ولا يفتون انطلاقا من مفهوم الأمة الواسع بل من ضيق القطرية والوطنية ولذلك تراهم كل واحد ينصر بلده بغض النظر عن الدين والشريعة و(انما المؤمنون أخوة.... )