استعادة الثقة في العولمة (2-2)

كارل بيلدت

الثلاثاء، 20 يونيو 2017 01:11 ص

من المؤكد أن عدد المزارعين اليوم أصبح أقل مما كان عليه في العقود أو القرون المنصرمة؛ وقد أغلقت مصانع القطن في لانكشاير، ومصانع الصلب في بيسبيرج، ومناجم الفحم في دويسبورج أبوابها؛ وأصبح عدد العاملين في غابات شمال السويد الشاسعة أقل كثيرا. والآن يوجه أبناء أولئك الذين عملوا ذات يوم في هذه الصناعات أنظارهم صوب أضواء المدن السريعة النمو، حيث يشغلون وظائف نادرا ما كان أحد ليتخيلها قبل بضعة عقود.
كانت الحياة قبل العولمة، بالنسبة لأغلب الناس في مختلف أنحاء العالم، فقيرة ووحشية وقصيرة. ورغم هذا، نجح مناهضو العولمة اليوم في تحويل الحنين إلى الماضي إلى نداء حشد.
من المؤكد أن الأحوال الاقتصادية كانت أقل إيجابية وتبشيرا في السنوات التي أعقبت الأزمة المالية في عام 2008، ولكن الآن تتعافى فرص العمل والنمو الاقتصادي في كل مكان تقريبا.
لا أحد يستطيع أن ينكر بطبيعة الحال أن العديد من المجتمعات تشهد شعورا متناميا بانعدام الأمان الثقافي، خاصة وأن العديد من الناس دُفِعوا دفعا إلى الاعتقاد بأن قوى خارجية مثل الهجرة كانت سببا في تآكل المصادر التقليدية للسلام والاستقرار. ويُقال لهم إن العودة إلى القَبَلية في هيئة أو أخرى آلية مقاومة متاحة وميسورة. فقد كانت قبيلتهم الأسطورية عظيمة في ماض أسطوري، فما الذي يمنعهم من محاولة إعادة خلق هذا الماضي؟
الواقع أن مِثل هذا التفكير يشكل تهديدا بالغ الخطورة لأكثر الناس ضعفا في العالم. إذ يتوقف تحقيق هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة المتمثل في القضاء على الفقر المدقع في مختلف أنحاء العالم بحلول عام 2030 بشكل كامل على استمرار النمو الاقتصادي من خلال التجارة والإبداع التكنولوجي والتعاون الدولي. أما نصب الحواجز التجارية، والانخراط في النزعة التجارية الرقمية، وتقويض العالَم الليبرالي عموما فلن يُفضي إلا إلى إلحاق الضرر الشديد بأفقر الفقراء في أفريقيا وغيرها من المناطق الأقل نموا، في حين لن يفيد بأي قدر يُذكَر في مساعدة عمال المناجم في ويست فيرجينيا.
سوف يظل الأقوياء قادرين دوما على تدبر أمورهم، وسوف يتحمل الضعفاء وطأة نزعة الحماية المستمدة من الحنين إلى الماضي والتي تتسبب في تآكل فوائد العولمة. في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام، كان الرجل الذي مَجَّد العولمة وعَدَّد فضائلها هو الرئيس الصيني شي جين بينج، في حين جاب كبار رجال الأعمال من الغرب القاعات محاولين الظهور بمظهر المهتمين بالخاسرين المفترضين نتيجة للعولمة.
كان الشيوعيون حريصين على الحفاظ على الثقة في العولمة؛ ولكن يبدو أن الرأسماليين هم من فقدوا الثقة فيها. وهو أمر شديد الغرابة ــ وشديد التناقض مع أداء الماضي وحقائق الحاضر. والواقع أن كل الأسباب تدفعنا إلى الثقة في العملية التي نجحت في تحقيق الرخاء والازدهار لعدد من الناس أكبر كثيرا من أحلام أي إنسان قبل بضعة عقود من الزمن. ولا ينبغي لنا أن نخجل أبدا في الدفاع عن العولمة ومقاومة الحنين الرجعي إلى الماضي.
إن البشر قادرون على تأمين مستقبل أكثر إشراقا ــ شريطة أن يكفوا عن البحث عنه في الماضي.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.