الوجه الحقيقي!

أسامة عجاج

السبت، 12 أغسطس 2017 04:54 ص

في زحمة وحمى الأزمة بين قطر ودول الحصار الأربع: السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وفي ظل تداعياتها الكثيرة. وللأسف دون اهتمام من أحد، عاد من جديد الصراع الحدودي بين إريتريا وجيبوتي، والذي قد يتطور إلى مواجهة عسكرية تعيد حالة عدم الاستقرار من جديد إلى منطقة القرن الإفريقي، واحدة من النقاط الاستراتيجية المهمة التي تتجاوز أهمية دولها إلى العالم الخارجي.
العلاقة بين الحدثين قد لا تغيب عن المتابعين للشأن العربي والإفريقي، وتتعلق بالقرار القطري المنطقي والطبيعي الذي اتخذته الدوحة في ١٤ يونيو الماضي بسحب قواتها العسكرية المنتشرة كاملة على الحدود بين البلدين، وتقدر بـ ٤٥٠ شخصاً من القوات القطرية، والتي كانت تقوم بمهمة حفظ الأمن والإشراف على تنفيذ الاتفاق الذي نجحت الوساطة القطرية في إنهاء النزاع بين البلدين في مارس ٢٠١١. وكان قرار السحب طبيعياً في ظل التعامل مع تداعيات الأزمة القطرية مع الدول الأربع، وحشد كل القدرات السياسية والاقتصادية وبالطبع العسكرية لها، ولم يكن الأمر -كما يحلو للبعض أن يشيع- مرتبطاً بموقف هذه الدولة أو تلك من الأزمة، أو استجابتها للضغوط الخارجية باتخاذ موقف مؤيد للدول الأربع، أو ضد قطر.
الأوضاع في المنطقة كشفت عن الدور المهم الذي تلعبه قطر على صعيد النزاعات في مناطق ودول العالم، والذي يبدو أنه لا يروق للبعض، باعتبارها -باعتراف جهات دولية عديدة ومنها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي- وسيطاً دبلوماسياً نزيهاً في حل الخلافات والأزمات، والنماذج في هذا المجال لا تُعد، فمنها الوساطة التي قامت بها بين حكومة السودان وحركات التمرد في دارفور، والذي نشب في عام ٢٠٠٣، حتى توصلت إلى اتفاقية سلام بين الطرفين ساهمت في إعادة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة وأوقفت نزيف الدم بين الجانبين. ولم يتوقف الجهد القطري عند هذا الحد، بل تكللت وساطة الدوحة لإنهاء الأزمة بين إريتريا وإثيوبيا في العام الماضي بالنجاح، كما دخلت على خط الوساطة في الجنوب الليبي بين قبائل التبو والطوارق. كل ذلك في منطقة واحدة وقارة واحدة هي إفريقيا، بينما الأدوار القطرية أوسع وأعمق من ذلك باعتبارها وسيطاً نزيهاً وشريفاً ومقبولاً في نزاعات متعددة، منها الأزمة اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي، حيث عادت الشرعية اللبنانية والرئاسة إلى ممارسة دورها بعد فراغ رئاسي استمر سنوات، نتيجة وساطة الدوحة. كما أنها لعبت وما زالت تلعب دوراً مهماً في الجمع بين قيادة حركة فتح والسلطة الوطنية وحماس.
ونتوقف عند توابع القرار القطري بسحب القوات القطرية من الحدود بين البلدين، حيث سارعت إريتريا للاستفادة من حالة الفراغ الذي خلفته القوات واستولت على جزيرة دوميرة المتنازع عليها بين الطرفين، في تطور قد يؤدي إلى مواجهات عسكرية لن تتوقف لدى البلدين، ولكنها تنذر بدخول أطراف أخرى في ظل التحالفات المتشعبة في المنطقة، خاصة إثيوبيا وهي في صراع أصلاً مع إريتريا وحليفة استراتيجية لجيبوتي، وقد بدأت بالفعل في حشد قواتها لدعمها عسكرياً إذا أرادت استعادة المنطقة. وانتقلت الأزمة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وكذلك الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي بعد مطالبات بالتدخل بإرسال مراقبين إلى المنطقة. ولأن الطرفين يدركان أهمية الدور القطري، فهناك دعوة من الجانب الإريتري إلى الدوحة لإعادة ممارسة دور الوساطة.
ولعل ما سبق هو أبلغ ردّ للذين يشيعون ويأخذون على الدبلوماسية القطرية ويتهمونها ظلماً وعدواناً بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أو أنها تلعب دوراً أكبر من حجمها. فهذه هي طبيعة الجهود الخيرة التي تقوم بها الدوحة في تعزيز الأمن والاستقرار في مناطق العالم.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.