‏الحصانة الإيمانية والحصانة التشريعية!

‏بيّنة المري

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017 01:32 ص 29

‏ في كتاب خمسة عقول للمستقبل أدرك المؤلف هوارد غاردنر ما هو المطلوب من العقل الإنساني في المستقبل، واستشهد بكلمات ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني حينما قال: «إن إمبراطوريات المستقبل سوف تكون إمبراطوريات العقل».
ومن بين الخمسة عقول التي تناولها المؤلف «العقل الأخلاقي»، فكون الإنسان صاحب رسالة هذا يستدعي توجهاً أخلاقياً، ويضع مفهوماً، كيف يكون الإنسان محامياً، مهندساً، طبيباً، مربياً، موظفاً، سياسياً، مواطناً.
بالمقابل في تراثنا الإسلامي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «تَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ»، والإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح. فالتشريعات المادية المتمثلة في ممارسة الطقوس ليست الهدف المنشود والمقصود فقط، ويجب فحصها إذا كانت لا تحمل في طياتها الفضائل، وتبتعد عن الرذائل، فالناس أبناء ما يحسنون كما يُقال.
والإيمان الحقيقي هو المحفز للأخلاق والوعي، وبالرجوع إلى آيات سورة البقرة «لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ...»
سنجد الآيات تناولت قائمة مهمة، وهي الجزء الصلب من الدين، وتُعرف بالبر أو الخير العميم، بدأت بأركان الإيمان التي تُشكل المنظور الكوني الشامل، بالإضافة إلى إنفاق المال على حبه على ست فئات مستضعفة: ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، وفي الرقاب،
وإقام الصلاة وهي وازع داخلي، وإيتاء الزكاة وهي قضية عدل اقتصادي واجتماعي، والوفاء بالعهود، وتشمل الالتزامات الفردية والمؤسسية والدولية، والصبر فالعلاقات البشرية وصناعة الحياة والمجد تحتاج إلى جهدٍ مضن، فهذا البر هو الإيمان بمعناه الحي، وفِي المسيحية أضفى المصلح البروتستانتي مارتن لوثر على العمل بُعداً دينياً حينما قال: «من يعمل بإخلاص يصلي مرتين»، فحياة الرهبنة لا تتعارض مع النزعة التطهيرية، وروح العصر. ‏وتحدث ابن مسكويه المتأثر بالتقسيم الأرسطي عن أصول الفضائل وهي أربعة: فضيلة الحكمة التي تتولد من القوى الفكرية، وفضيلة الشجاعة التي تتولد من القوة الغضبية، وفضيلة العفة التي تتولد من القوة الشهوية، وبناء على هذه الفضائل الثلاث ستكون هناك فضيلة العدالة، ولا شك أن الرذائل تنبعث من فساد قوى النفس الثلاث. هذا لا يعني أن الإنسان مطالب بالكمال والمثالية، فالتكلف في الأخلاق يسمى رياءً، وقد قال الرسول: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»، لكن نحتاج إلى الوعي والتجسير بين المادي والمعنوي.
‏ لو لاحظنا جُل مشاكلنا ومعاضلنا وعلى جميع الأصعدة لوجدنا أن الواقع يطرح سؤالاً معرفياً: ‏لماذا تزداد وتيرة الطقوس الدينية وتتراجع القيمة الإيمانية والأخلاقية؟ في الحديث الشريف قال الرسول: «لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك»، كل فحص وتفكير نقدي لبنية الأفكار التحتية سيترتب عليه بنية فوقية صلبة، والحصانة الإيمانية هي التي ستؤسس لحصانة تشريعية دينية على نحو منطقي وواع .

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.