فرح «الغلابة»

العربي محمودي

الأربعاء، 11 أكتوبر 2017 12:19 ص 13

نفرط في الحزن مثلما نفرط في الفرحة.. تتحكم فينا العاطفة والعقل عندنا غائب حتى إشعار آخر.. لا تستعجلوا.. لا تعلنوا الحكم المتسرع بخروجي عن النص.. فجلوسي على التماس متواصل.. جلسة تريحني، وتعود بي في بعض الأحيان إلى مراجعة أرشيف الذكريات لكني في هذه المرة عدت مرغماً ويا ليتني لم أعد...
مشاهد الفرحة لدى أشقائنا المصريين بعد تأهل منتخبهم إلى مونديال روسيا 2018 أرغمتني على العودة 8 سنوات -السنة غير العام في لغتنا- إلى الوراء.. إلى مشاهد الفرحة لدى الشعب الجزائري الشقيق -الشعور بالغربة يضطرك إلى استعمال مصطلح الشقيق حتى مع أبناء بلدك- عندما تأهل منتخبهم إلى مونديال جنوب إفريقيا 2010.
المشاهد في مصر 2017 مثلها في الجزائر 2009 والحدث واحد.. تأهل منتخب الكرة إلى المونديال.. في بلداننا العربية الشقيقة لم يعد هناك موعد للفرحة إلا الكرة.. هي التي تجمع بين المسلم والمسيحي.. بين الغني والفقير.. بين الصالح والطالح.. بين الانتهازي والمخلص.. بين الخائن والوفي.. تجمعهم على طاولة الوطنية وإعلان الولاء المطلق للوطن.. بعد الفرحة يفترق الجمع.. يعود الغني لمتابعة شؤونه المالية، ويجد الانتهازي الفرصة المواتية للصعود على درجة أخرى من سلم المجد.. أما أصحاب الديانات المختلفة فكل منهم ينصرف إلى طقوسه.. ولا يجد الفقراء -الأغلبية الساحقة في أوطاننا العربية الشقيقة- غير العودة إلى معاناتهم اليومية.. معاناة تزداد قسوة لأن المكافآت المجزية المقدمة للاعبين نظير تأهلهم تصل إلى مبالغ خيالية، ومكافأة الفقير المعدم بعض الزمن من الفرحة في الشوارع الخلفية المظلمة الغارقة في وحل تعنت الإدارة المحلية.
بعد 8 سنوات مرت وقبلها بكثير من السنوات وربما لقادم سنوات أكون فيها وحيداً في قبري، سيبقى الوضع على حاله.. الكرة هي من تجمعنا.. قلوبنا القاسية لا تلين عند مشاهدتها للمرضى العاجزين عن شراء الدواء.. ولا ترى أولئك الذين يفترشون أرضية الشوارع ويلتحفون السماء البعيدة.. حتى عقولنا عاجزة عن تفسير الاختلاف في الرأي، وتمنح القلب حرية تصنيف المختلفين معنا في خانة الأعداء.. حتى تهمة الخيانة صارت سهلة لكل من يفكر في نقد الحاكم بأمر الله في أوطاننا العربية الشقيقة.
الفرحة مشروعة.. مثلما هو الحزن كذلك.. الاتفاق واجب والاختلاف حق، فهل نصل يوماً إلى نقطة تجمعنا غير الكرة، وتكون هي نقطة البداية نحو بناء دول تقدس الفرد وتسعى لخدمته أم نبقى نجري وراء كرة تتقاذفها الأرجل إلى ما لا نهاية؟!

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.