سياسات قتل التاريخ (1-2)

ريتشارد هاس

الجمعة، 13 أكتوبر 2017 10:39 ص 13

في عالَم الفوضى، يقف الشرق الأوسط منفردا. فالآن، تَنحَلّ خيوط نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى في قسم كبير من المنطقة. وكان الثمن الذي دفعته شعوب سورية والعراق واليمن وليبيا باهظا.
لكن الخسائر لا تقتصر على الأضرار التي لحقت بحاضر ومستقبل المنطقة. بل سَقَط الماضي أيضا ضحية للعنف الدائر اليوم.
كان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حريصا على تدمير أشياء لا يراها إسلامية بالقدر الكافي، وكان المثال الأكثر دراماتيكية معبد بعل الرائع في مدينة تدمر السورية.. ومدينة الموصل التي لم يتم تحريرها بالسرعة الكافية لإنقاذ المنحوتات العديدة التي دُمِّرَت بالفعل، والمكتبات التي أُحرِقَت، والمقابر التي نُهِبَت.
من المؤكد أن تدمير التراث الثقافي للإنسان لا يقتصر على منطقة الشرق الأوسط. ففي عام 2001 راقَب العالَم في رعب حركة طالبان وهي تنسف تماثيل ضخمة لبوذا في باميان. وفي واقعة أقرب إلى الزمن الحاضر، دَمَّر متطرفون المقابر والمخطوطات في تمبكتو. ولكن تنظيم داعش ينشر الدمار على نطاق غير مسبوق.
الواقع أن استهداف الماضي ليس بالأمر الجديد. فقد دَمَّر الإسكندر الأكبر قبل أكثر من 2000 سنة قسما كبيرا مما يسمى اليوم مدينة برسيبوليس (تخت جمشيد). ولم تَسلَم الكنائس والأيقونات واللوحات من الحروب الدينية التي اجتاحت أوروبا على مدى القرون. وبذل ستالين وهتلر وماو قصارى جهدهم لتدمير المباني والأعمال الفنية المرتبطة بالثقافات والأفكار التي ارتأوا أنها تشكل خطورة. وقبل نصف قرن من الزمن دَمَّر الخمير الحمر المعابد والمعالم الأثرية في مختلف أنحاء كمبوديا.
* رئيس مركز للأبحاث الأمريكية

الواقع أن أكثر ما قد ينطبق عليه وصف "قتل التاريخ" ربما يكون مفهوما بقدر ما ينطوي عليه من انحراف. ذلك أن القادة الراغبين في قولبة المجتمع حول مجموعة جديدة ومختلفة من الأفكار والولاءات وأشكال السلوك يحتاجون أولا إلى تدمير الهويات القائمة بين البالغين ومنع انتقال هذه الهويات إلى الأطفال. ويعتقد الثوريون أن تدمير الرموز التي تعبر عن هذه الهويات والأفكار التي تجسدها شرطا مسبقا لبناء مجتمع جديد وثقافة جديدة أو نظام حكم جديد.

ولهذا السبب، كان الحِفاظ على الماضي وحمايته ضرورة أساسية لأولئك الذين يرغبون في ضمان فشل جهود المتعصبين الخطرين اليوم.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.