من المنتصر؟!

العنود آل ثاني

الإثنين، 13 نوفمبر 2017 01:04 ص 23

هناك من يصر على تغيير الآخرين، ويبذل جهده في الجدل معهم وإعطائهم النصائح المختلفة والمتكررة دون جدوى. صديقتي كانت تتعب مع ابنها المراهق، وتعطيه من النصائح والتوجيهات التي يسمعها من أذن وتخرج من الأذن الأخرى، حتى وصلت إلى طريق مسدود، ثم توقفت وغيّرت في تعاملها معه في إعطاء الأوامر والتوجيهات؛ تركته يقع في الخطأ، ويجرّب، ويتحمل مسؤولية أخطائه دون التدخل في شؤونه، وأصبحت توجهه دون إصرار، ولم تمنعه من فعل ما يريد؛ فتغيّر سلوكه مع الأيام وتحسّن.
إن من يحاول أن يغيّر الناس بدخوله في الجدل معهم، أو إعطائهم النصائح والإصرار على إثبات أنهم على خطأ، هو من سيتعب في النهاية. فلنغير الآخرين بسلوكنا وتصرفاتنا ومعاملتنا الحسنة؛ فهذا بالفعل ما يؤثر في الآخرين.
عندما أشكر البائع البسيط بود وابتسامة، عندما أمدح بصدق مَن حولي وأشعرهم بأهمية ما يفعلون، عندما أتعامل مع الخدم بلطف ورفق، عندما أدخل إلى مكان نجتمع فيه مع المعارف وأنا مبتسمة وأسرد حديثاً طيباً شيقاً، عندما أحسن الإنصات إلى الآخرين وأبدي اهتمامي لما يقولونه، عندما أبتعد عن النميمة وذكر عيوب الآخرين، وأبتعد عن الاستهزاء والسخرية بخلق الله، عندما أتعامل مع أبنائي بهدوء وحكمة، كل ذلك يعكس سلوكاً طيباً يكون هو الأفضل بالتأكيد من محاولة الدخول مع الآخرين في جدل ونقاش ومحاولة الانتصار عليهم في ذلك الخلاف!
لا أحد يحب أن يكون مخطئاً، ولا أحد يرضى بأن تقول له إنه مخطئ، إلا إذا غلّفت الكلام الموجّه له بغلاف حسن، وأشرت إلى خطئه بطريقة لا تجرحه، كما أن عقول الناس ومستوى ثقافتهم ووعيهم يختلفان من إنسان إلى آخر؛ لذلك يجب علينا أن نخاطب الناس بقدر عقولهم؛ لكي نصبح أكثر إقناعاً في ما نقول.
إن أوقاتنا ثمينة؛ لذلك يجب علينا ألا نهدرها بدخولنا في نقاش لا يفيد، خاصة مع من يحبون الجدل؛ فهناك أشخاص متخصصون في ذلك، ويحبون المجادلة والنقاش وإثبات أنهم هم المنتصرون في النهاية؛ فإحدى هواياتهم الدخول في النقاشات، وإثبات أن آراءهم هي الصحيحة والآخرون هم الذين على خطأ، والحقيقة أنه ليس هناك منتصر، بل المنتصر الحقيقي هو ذلك الإنسان الراقي المؤثر بسلوكه وحسن تعامله مع الآخرين، هو المنسجم المتوازن بأخلاقه وأفعاله، وليس من يفرض آراءه على الآخرين ويدخل في صراعات، ويظن في النهاية أنه المنتصر!

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.