كلام في الفكر

إبراهيم بن هاشم السادة

الإثنين، 13 نوفمبر 2017 01:13 ص 62

جاء في معجم المعاني تعريف الفكر بأنه «إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول»؛ فالعقل هو تلك القوة المتهيأة للفهم، ويُقال أيضاً: «عقل الشيء: إذا أشغل عقله بالتفكير فيه حتى فهمه». وإذا كان العقل مناط التكليف، فإن الفكر مطية العلوم وسبيل المعرفة؛ فكما أنه لا يُتصوّر أن يُكلّف غير العاقل، فإنه يستحيل الوصول إلى أسرار العلوم المختلفة دون استغراق العقل في عملية التفكير، تلك العملية التي تتم باستخدام وسائل من قبيل المنطق والملاحظة والتجربة والتأمل والقياس. ولكن هل للعقل أن يقوم بعملية التفكير في أي وقت؟ وهل تتأثر نتائج تلك العملية بالزمان والمكان؟
اعلم أن لكل شيء ذروة سنام، قد ترتبط بالوقت، أو المكان، أو كليهما؛ فالزهرة لها فصل من فصول العام تتفتح فيه ثم تذبل؛ فهي تتفتح فيه بانتظام كل موسم. فإن كانت تلك الزهرة في حديقة غنّاء يجري من خلالها جدول ماء، فقد اجتمع جمال الزمان وبهجة المكان.
والفكر زهرة العقل، ولهذه الزهرة مواسم؛ فهي لا تتفتح إلا خلسة عندما يبتعد الإنسان عن الضوضاء والتشويش، ويكون في حالة جسدية سليمة، ونفسية غير متوترة. هنا يتوقد الفكر فيحلّق بلا حدود ولا قيود، وتصبح زهرة الفكر ثمرة يانعة، قد تكون تلك الثمرة فكرة إبداعية، أو قصيدة، أو رواية، أو حلاً لمعضلة.
عندما يكون هناك حاجة لاتخاذ قرار ما، فإن عملية صنع القرار تمر عبر عدة مراحل معقدة من التفكير والتأمل والدراسة والمراجعة، وقد تستغرق تلك العملية وقتاً وجهداً يتناسبان مع أهمية وحساسية ذلك القرار، وتتأثر عملية التفكير تبعاً لذلك بالحالة الذهنية للعقل، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحالة الجسدية، فلا شك أن الجسم المنهك من الأعمال البدنية، ذلك الذي لم يأخذ قسطاً كافياً من النوم والراحة يحد من إمكانيات الجوارح عموماً على التركيز؛ مما يضعف قدرة العقل على التفكير. لذلك نجد أن من أفضل الأوقات للقيام بالأنشطة الذهنية هي ساعات الصباح الأولى، حيث يجتمع الهدوء مع توقّد الذهن وسكينة الجوارح، حيث تتدفق الأفكار وتتجلى الإبداعات.
إضافة إلى ذلك، فإن عملية التفكير ونتائجها تتأثر سلباً وإيجاباً بمواهب الإنسان ومهاراته المكتسبة ومعدل قدرته على التعلّم؛ فهناك مدارس مختلفة في طرق التفكير، كما أن هناك مهارات متعددة يمكن التدرب عليها لتساعد على الوصول إلى أفضل الأفكار أو الحلول والنتائج.
وفي المقابل، فإنه ينبغي أن نفرّق بين مهارات التفكير ومنهجية التفكير؛ فمهارات التفكير لها علاقة بطريقة إدارة عملية التفكير للوصول إلى أفضل النتائج، أما منهجية التفكير فهي بمثابة بوصلة عملية التفكير ووجهتها. فإذا لم يتجه التفكير إلى الوجهة الصحيحة، يكون كالسائق الماهر في القيادة الذي سلك الاتجاه الخطأ؛ لذا لن يصل إلى هدفه مهما كان ماهراً في القيادة. وهذا يفسر تعثّر بعض الأذكياء في تحقيق أهدافهم، أو فشلهم في إنجاز المهام المنوطة بهم، من حيث إنهم يتجاهلون بوصلة التفكير، ويشرعون بكل ثقة بمستويات ذكائهم في سبر أغوار التحدي الذي يواجهونه بحثاً عن نتيجة ما، ولو أنهم أخذوا خطوة إلى الوراء قبل الشروع في عملية التفكير وأعطوا أنفسهم فرصة لاختيار المنهج الأفضل للتفكير قبل الاستغراق في تلك العملية، لكان أحرى بهم أن يصلوا إلى نتائج أفضل، أو أن يفتحوا أبواباً لم تُفتح من قبل.

إن مفتاح مستقبلنا مرهون بالأسلوب الذي نفكر به في حاضرنا... وللحديث بقية..

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.