أزمة «لا غالب ولا مغلوب»

كلمة العرب

الأربعاء، 15 نوفمبر 2017 01:50 ص 29

مرة جديدة، يضع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، من بيدهم القرار في دول الحصار أمام مسؤولياتهم التاريخية، بشأن وضع حد للأزمة التي بدأت منذ أكثر من خمسة أشهر ولا يعرف أحد متى تنتهي وما جدوى استمرارها أساساً وليس فيها «غالب ومغلوب»، بحسب تعبير صاحب السمو.
في خطابه أمس خلال افتتاح دور الانعقاد العادي السادس والأربعين لمجلس الشورى، خاطب صاحب السمو الشعب والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي، وجدد الموقف القطري الواضح منذ بداية الأزمة، وهو الحوار الذي لا يمس السيادة واستقلال الدول، وتأكيد سموه أن الإشارات الواردة تبيّن أن دول الحصار ليست راغبة في الحل.
إن شعوب المنطقة على بيّنة الآن من أمرها، وتدرك من الذي يصرّ على قطع أواصر «البيت الخليجي الواحد»، وتمزيق الروابط الاجتماعية بين أبناء العائلات الواحدة المنتشرين في مختلف دول المجلس، والذين اعتبروا على الدوام أن الحدود بين دول المنطقة هي حدود وهمية، وأن الأصل هو «العائلة الخليجية الكبيرة».
كان أبناء الخليج يتباهون ويحلمون بأنه سيأتي يوم يصبح فيه مجلس التعاون نسخة من الكيانات والتجمعات الكبرى في أوروبا وغيرها، وكانوا يظنون أن مسؤولي المجلس يعلمون أن العالم لم يعد يعترف بالكيانات الصغيرة، وأن قوتهم في وحدتهم. لكن فجأة، انهار هذا الحلم بفعل فاعل يعلمه الجميع!
ما قاله صاحب السمو في الخطاب يأتي امتداداً لما ذكره في الخطابين اللذين ألقاهما بعد فرض الحصار على قطر: الأول «خطاب الثبات» في الدوحة يوم 21 يوليو الماضي، والثاني الخطاب المشهود أمام العالم من منصة الأمم المتحدة في 19 سبتمبر الماضي، فضلاً عن تصريحات سموه في ختام جولته الآسيوية الناجحة يوم 18 أكتوبر الماضي، والتي أكد خلالها بكلمات موجزة ومعبّرة أن «قطر مستعدة دائماً للحوار لحل هذه القضايا؛ لأنه لا يوجد رابح. كلنا إخوان، وكلنا خاسرون من هذه الأزمة»، مشدداً على أن قطر «منفتحة للحوار وفق اتفاقيات تكون ملزمة لكل الأطراف باحترام سيادة الدول». كما يعيدنا مضمون الخطاب أمام مجلس الشورى إلى ما ذكره سموه في المقابلة مع الصحافي تشارلي روز في برنامج «ستون دقيقة» على قناة «سي.بي.أس» الأميركية يوم 30 أكتوبر الماضي، والتي ذهب فيها إلى أبعد مدى، منطلقاً من رغبة صادقة في رأب الصدع بالبيت الخليجي، وأبدى استعداده الكامل لحل الأزمة في المنطقة بالحوار في ظل احترام السيادة «التي هي خط أحمر لا ينبغي المساس بها». ولم يكتفِ سموه بهذه الرغبة في الحوار والحل، بل أبدى استعداده للتقدم «عشرة آلاف ميل نحو الأشقاء في حال تقدّموا متراً واحداً نحو المصالحة».
إن هذا التسلسل الزمني للرغبة القطرية الصادقة في إنهاء الأزمة، يشهد العالم والعواصم الكبرى المهتمة بالحل أنها لم تُقابل بخطوة إيجابية من دول الحصار، والتي أوقعت نفسها في مأزق من الكذب والمهاترات، دون أن تكون لديها استراتيجية للخروج منه، لتظل «أسيرة خطابها الإعلامي» كما ذكر سموه.
لقد جاء خطاب أمير البلاد المفدى -كعادة خطابات وتصريحات سموه- لا يحمل لهجة تصعيدية أو مهادِنة، لكنه جاء بلغة الواثق من مواقفه، والمدعوم بظهير شعبي حقيقي، يدرك أن قطر وقيادتها يدفعون ثمن المواقف المستقلة والنجاحات التي تحققها الدولة على مختلف الأصعدة، حتى صارت بقعة ضوء مشعة في منطقة مظلمة بالجمود والتصلب، وسياسات عفا عليها الزمن، تلحق أكبر الضرر بسمعة مجلس التعاون ومصالح أبنائه.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.