العبودية المختارة

خالد وليد محمود

الإثنين، 04 ديسمبر 2017 02:07 ص 55

العنوان أعلاه لمقالة مطوّلة للمفكر الفرنسي «إتييان دو لا بويسيه»، كتبها وهو في السادسة عشرة أو الثامنة عشرة من العمر، ونُشرت عام 1576، أي قبل ما يقرب من أربعة قرون، لكنها لا تزال محتفظةً براهنيّتها وتماسكها، وطرحها لحل إنساني في مواجهة مشكلة السلطة والتسلط، ولا شك أنها تمثل «مرافعة قوية ضد الطغيان» والاستبداد والدكتاتورية بكافة أشكالها وأنواعها.
يقول دولا بواسييه في مقالته هذه، إنه عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية، وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن يسمى (المواطن المستقر)، وهذا الأخير يعيش في عالمه الخاص، وتنحصر اهتماماته في ثلاثة أشياء هي: (الدين، لقمة العيش، وكرة القدم).
ما طرحه «لا بويسيه» يظنه القارئ للوهلة الأولى يتحدث عن واقعنا المعاش، ويتابع قضايانا، ويتحسس مشاكلنا، مع أن مقالته هذه مضى عليها أكثر من 450 سنة، وكانت مرجعاً لأكثر قادة الثورة الفرنسية.
فمن الغريب أن نرى ملايين البشر يُستعبدون ببؤس وشقاء، رؤوسهم في الرمال، لا بل تحت ركبهم، بلا مال ولا طعام ولا حياة أسرية… وجدت فيهم الأمراض والمجاعة، ومع ذلك لا يبدون تململاً، ليس لأن قوة من قوى الطبيعة أخضعتهم، ولكن لأنهم مسحورون باسم واحد لرجل ليس هرقل ولا شمشون، ولكن لرجل قد يكون جباناً لم تطأ قدمه أرض معركة، ولم تمتلئ أنفاسه بعبق البارود، بل قد يكون أكثرهم تخنثاً وأجبنهم طبعاً! ما كان لهم أن يخشوه لأنه فرد واحد وهم ملايين، ولا أن يحبوه لأنه يعاملهم معاملة الهمج الرعاع.
ولنأخذ أمثلة عن الأركان أعلاه، فالدين عند المواطن المستقر لا علاقة له بالحق والعدل، وإنما مجرد أداء للطقوس، واستيفاء للشكل، لا ينصرف غالباً للسلوك. فالذين يمارسون بلا حرج الكذب والنفاق والرشوة يحسون بالذنب فقط، إذا فاتتهم إحدى الصلوات. وترى هذا الشخص لا يدافع عن دينه إلا إذا تأكد أنه لن يصيبه أذى.
أما لقمة العيش الركن الثاني لحياة المواطن المستقر، فهو لا يعبأ إطلاقاً بحقوقه السياسية، لكنه يعمل فقط من أجل تربية أطفاله حتى يكبروا، فيزوج البنات ويطمئن على توظيف أبنائه، ثم يختم تقاعده حاجاً لبيت الله الحرام، حتى يكفّر جميع ذنوبه، ويرجع كما ولدته أمه.
والركن الثالث كرة القدم، فالمواطن يجد في كرة القدم تعويضاً له عن أشياء يحرم منها في حياته اليومية، فكرة القدم تنسيه همومه، وتحقق له العدالة التي حرم منها، لأنها خلال 90 دقيقة تخضع لقواعد واضحة عادلة تطبق على الجميع.
«المواطن المستقر» هو كل إنسان يعيش تحت طاغية مهما كان مسماه، رئيساً أو موظفاً صغيراً وما بينهما، فإذا كان قد ولد حراً فلم يسير طوعاً في عبودية مختارة؟
فصل القول: ثمة اتفاق ضمني يترك بموجبه المواطن المستقر «الديكتاتور والمستبد والظالم»، يفعل ما يشاء مقابل تأمينه على أركان حياته الثلاثة آنفة الذكر.. وفي النتيجة يكون هذا المواطن المستقر هو العائق الحقيقي لأن التغيير لن يتحقق إلا عندما يخرج من عالمه الضيق، وعندما نتأكد جميعاً أن تكلفة السكوت على «الاستبداد والظلم» أكبر بكثير من عواقب الثورة ضده.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.