تهتف باسمي القلوب!

سحر ناصر

الخميس، 11 يناير 2018 12:52 ص 21

النائب، الوزير، الرئيس.. يعملون في خدمتي!
من أنا؟ الجواب: الشعب.
المسؤولون هم موظفون مثلي ومثلك، يستيقظون صباحاً، ويتوجهون إلى مكاتبهم من أجل أداء مهامهم الوظيفية، وهي تمثيل الدولة، وتسيير شؤون الناس. ومن يُقصّر في أدائه الوظيفي، من المفترض أن يُحاسب، من قبل الأجهزة الرقابية، والجهات القضائية، ووسائل الإعلام، والرأي العام.
واضحة الفكرة؟ «ودّك تصدّق بس قوية».
حسناً، لنُعِد صياغتها بشكل أبسط: المسؤول السياسي في خدمتك، ولستَ أنت من يخدمه.
لم تقتنع بعد بهذه المعادلة؟ -ولا أنا أيضاً- لنحاول تبسيطها مجدداً: أنا كأحد أفراد الشعب لي الحقّ في محاسبة المسؤولين عن تقصيرهم في أداء مهامهم. كيف أستطيع ذلك؟ بالتعبير عن الرأي، بعدم انتخابهم مجدداً، بالتوجّه إلى القضاء الإداري، بمراسلة وسائل الإعلام، وبالتمسك في الحقّ بقول «لا»، وغيرها العديد من الوسائل.
قد يبدو ذلك صعباً، وربما مستحيلاً، خصوصاً أننا من مواطني الدول العربية، حيث نُدّرس في صغرنا أن المسؤول أكبر من أن يُحاسب، أو أن يُوجّه له أي انتقاد حول أدائه السياسي، وأنه الأعلى شأناً من كافة أفراد الشعب؛ وأننا أصلاً شعوب موجودة في المدارس والجامعات، ومن ثم الوظيفة لخدمته وتأمين استمراريته، وأننا أيضاً مستعدون للموت من أجل الزعيم «الحلو أبو عيون جريئة»!
هذا الكلام ليس بجديد، ولكنه بمثابة جرح ينزف يومياً في ظلّ مشهد سياسي واجتماعي أصبح مُتعباً، خصوصاً في الشأن اللبناني. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كان لدينا كشباب لبنانيين أمل بأننا شعب واعٍ، يعرف الفرق بين وظيفة المسؤول وبين شخصه، وانتمائه، وسُلالته، وطائفته، وقبيلته.
ولكن للأسف النقاشات التي تدور يومياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي وورشات العمل، والمقاهي، والجامعات، تُشير إلى أننا شعوب لم ترتقِ بعد إلى المرحلة المنشودة بالتمييز بين وظيفة المسؤول وشخصه، على الرغم من مسرحيات الربيع العربي التي أوهمتنا بذلك.
قراءات بسيطة في المشهد اللبناني تُظهر لك الكثير من الشباب الذين يمدحون هذا الزعيم وذاك المسؤول، لأنه وظّف ابن فلان! ولأنه منح ترخيصاً تجارياً لابن علّان! ولأنه توسّط لأهالي مريض يكاد ينزف لساعات على أبوب التأمين والضمان. وتظهر على هؤلاء الشباب علامات الإعجاب والدهشة والشغف بـ «إنجازات» هذا المسؤول.
وعندما تقول لهم ببساطة: «هذه هي وظيفته. أن يستحدث فرص عمل للشباب، ويحفّز الاستثمار الصحيح، ويعزز البنية التحتية، ويوفّر التعليم والطبابة وضمان الشيخوخة». يأتيك الجواب دون تفكير: «هذا ليس واجبه. وإنما قام بذلك لأنه متواضع!». وسرعان ما يتحوّل الكائن البشري المتواجد أمامك لوحشٍ طائفي أو قبلي أو حزبيّ، فيُصنفّك تلقائياً في خانة العدّو؛ وقس على ذلك: عدّو الدين، عدوّ الوطن والقائد، ملحد؛ شيوعي؛ علماني؛ إسلامي... وفي أحسن الأحوال يُقال عنك أنك «تحسدُ الزعيم وتغار منه». هنا ينتهي النقاش، وتُدرك تماماً أن الأغلبية لا ترى أهل السلطة بعين المسؤولية المجتمعية، بقدر ما تراها بعين الجاهلية، التي تُقدّس الزعيم، وتُبرر سلوكه، وتحتفي بكلّ ما يقوم به، رغم تقصيره وفساده أحياناً في مواقع كثيرة.
وبناء على ذلك، أيها السيدات والسادة: سأكون أول من يعترف بأني أغار من أغلب المسؤولين، كما أغارُ أيضاً من بعض رجال الدين، حيث أدمّر شعوباً، وأخرب بيوتاً، وأسحب الأموال من الجيوب، وأُبدّل قصوري وسيّاراتي ويُخوتي ونسائي ومجوهراتي على حساب فوائد القروض. ورغم ذلك، وغصباً عن الشعوب، تهتف باسمي القلوب!

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.