الفرص الضائعة!

أسامة عجاج

الخميس، 11 يناير 2018 12:52 ص 24

لم أتعود التعليق على مقالات أخرى، مهما كانت أهمية كاتبها، أو مضمونها، فقد تكون مهمة آخرين، ولكن المقال الذي نشر مؤخراً للسيد عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية الأسبق، تحت عنوان «رمال ناعمة ورياح عاصفة» دفعني دفعاً للتعامل معه، باستثناء لمرة واحدة من القاعدة السابقة التي ألزمت بها نفسي، وقد يعود الأمر بالطبع إلى أهميتها، والأمر هنا لا يتعلق بالكاتب فقط، ولكن بالمضمون الوارد في المقال المذكور، الذي كان بمثابة بانوراما وقراءة لطبيعة التحديات والتهديدات التي تواجهها الأمة العربية، من منظور صياغة علاقاتها مع دول الجوار الجغرافي، مثل إيران وتركيا وإثيوبيا، وبالطبع مع «إسرائيل». والمقال أعاد لي ذكرى إحدى الفرص الضائعة في الشأن العربي، وما أكثرها، وكان بطلها عمرو موسى نفسه، في سنته الأخيرة بالجامعة العربية، وتحديداً في عام 2010، وقد أشار عرضاً إلى ذلك في نهاية المقال.
والأمانة تقتضي أن عمرو موسى، بين الأمناء العامين، يمكن رصد أن أحد ملامح شخصيته أنه ديناميكي ومبادر، ولعل أهم المبادرات التي عمل عليها بدأب شديد، ودراسة مستفيضة لعدة أشهر، استغرقها في الدراسة والاتصالات، مشروعه الخاصة بإنشاء رابطة الجوار العربي، نجح موسى في الإعداد لها بصورة متميزة بين النخب السياسية العربية، باعتبارها تنظيماً إقليمياً، يضم دول الجوار الجغرافي العربي، وتضمنت جميع التفاصيل، حول الدول المرشحة للعضوية، وأسباب ذلك الاختيار، وأهمها بالطبع الدول الثلاثة إثيوبيا وتركيا وإيران، ودول أخرى في إفريقيا واليونان وغيرها، واستعد موسى لتمرير مشروعه على القادة العرب، في قمة سرت العربية في مارس 2010، وكانت المفاجأة في الاستهانة الشديدة من قادة عرب في التعامل مع المشروع، وكأن أمامهم كالعادة إعطاء فرصة للفكرة لمزيد من الدراسة على مستويات أقل، سواء الخبراء العرب، أو كبار المسؤولين، وبعدها على وزراء الخارجية، وتدخلت عوامل من قبيل افتقاد الانسجام بين موسى وبعض القادة، ومنهم الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي سخف بالفكرة علناً، أو بعض دول الخليج، والتي لها أزمات معلّقة مع إيران، مطروحة دون حلّ لسنوات طويلة، ومات المشروع في المهد، لتضيع فرصة كانت كفيلة بإيجاد إطار للعلاقات العربية مع دول الجوار، قائم على المصالح المتبادلة.
ولم تمر أشهر قليلة، حتى كان الزلزال الذي أصاب المنطقة العربية، بثورات الربيع العربي، وأطاح بأنظمة وقيادات عديدة في أكثر من دولة عربية، لندخل في مرحلة لم تعد صياغة العلاقات مع دول الجوار أولوية لدى المنظومة لعربية، ممثلة في الجامعة، رغم تزايد عوامل التداخل والاشتباك في العلاقات العربية، وإن كانت منفردة، كل على حدة، مع دولة أو دول الجوار، والمشهد يؤكد ذلك، فدول الخليج أو جزء كبير يتعامل بشكل أساسي مع أزمة صياغة علاقات متوازنة مع إيران، التي زاد دورها في كثير من الساحات والأزمات العربية، وأخرى مثل مصر، في مواجهة حقيقية مع إثيوبيا حول مشروع سد النهضة، وهناك حالة من التوجس والمخاوف من المشروع التركي في المنطقة، ناهيك بالطبع عن خطورة ما وصلت إليه القضية الفلسطينية، رغم تراجع الاهتمام العربي بها لصالح أولويات أخرى، كما تظهر سياسات دول أخرى.
ويصبح السؤال: ألم يكن من المجدي السير في مشروع رابطة الجوار العربي، الذي كان كفيلاً بحل العديد من أزمات المنطقة؟ كان قادراً على خلق منظومة من المصالح، بين المجموعة العربية ككل -أعضاء الجامعة العربية- وهذه الدول، تضمن علاقات قادرة على احتواء خلافات ماثلة أمامنا، ألم تكن الرابطة قادرة على إيجاد آليات للحوار تحت مظلتها بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة.. وإمكانية أن يكون هناك دور عربي في إيجاد وسائل لحل الخلافات بينها؟ ألم تكن الرابطة مظلة لحوار عربي إيراني، حول المخاوف والهواجس العربية من دور طهران في العديد من الملفات العربية؟ والذي قد يكون أحد أسباب التوتر في المنطقة، بعيداً عن مخاوف البعض من الدخول في حوار، من منطق قوة إيران، وضعف المجموعة العربية، كما هو عليه الحال الآن، حتى تركيا كانت الرابطة كفيلة بصياغة علاقات قائمة على المصالح الاقتصادية بين الجانبين العربي والتركي، مما يعظم الفائدة لكل الأطراف دون مخاوف من هيمنة هذا الطرف أو ذاك، ودون الخشية من مشروعات يتم الترويج لها وليست حقيقية، مثل إعادة إحياء الدولة العثمانية.
هي إذا إحدى الفرص الضائعة، ولكنها قد تحتاج إلى مراجعة، أو إعادة نظر، وطرحها في ضوء متغيرات السنوات السبع الماضية.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.