نتائج كارثية

أسامة عجاج

السبت، 13 يناير 2018 12:54 ص

منذ أقل من شهر كتبت هنا محذراً من إهمال ما أسميته «الفريضة الغائبة»، وهي الحوار، باعتباره الطريق الوحيد لحل الخلافات السياسية بين الدول، وذكرت لذلك نموذجاً واضحاً هو الأزمة بين مصر والسودان، ومع الأيام الأولى لهذا العام، ولم يمر على مقالي سوى أيام معدودة، حتى كانت النتيجة، في قرار الخارجية السودانية، باستدعاء سفيرها من القاهرة عبدالمحمود عبدالحكيم للتشاور، في خطوة تؤكد أن العلاقات الثنائية بين البلدين، دخلت أجواء أزمة تتصاعد، استدعت مثل هذا الإجراء الاحتجاجي من أحد الطرفين، وهو السودان.
مع الأزمة سقطت رهانات كثيرة، لعل في مقدمتها استخدام الإعلام وسيلة أو أداة من أدوات الأنظمة، والادعاء بعدم المسؤولية، وقد أجاد الإعلام المصري في هذا الأمر كثيراً، وكان وراء أزمات عديدة مع دول مختلفة، لأنه لا يراعي أية معايير للمهنية، أو التزام بالصدق، أو التمسك بالنقد الموضوعي للسياسات، دون التطرق إلى الأشخاص، أو رموز الدول الأخرى، يجيد فقط لعبة ممارسة الأكاذيب، واختلاق وقائع غير صحيحة، وانكشفت لعبة الادعاء بحرية الإعلام أو انفصاله عن الدولة، وعدم مسؤوليتها عما يذاع أو ينشر، فقد تعرضت القيادة السودانية إلى هجوم غير مسبوق، واتهامات بالتفريط، عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السودان، والاتفاق على إعادة تأهيل جزيرة سواكن على البحر الأحمر، لتكون مزاراً سياحياً، ونسي نفس الإعلام أن مصر سعت إلى حلف مع كل من اليونان وقبرص، وإعادة ترسيم الحدود البحرية معهما، وتم اعتبار ذلك انتصاراً للدبلوماسية المصرية، في مواجهة تركيا، وهو ما يمكن اعتباره إضراراً بمصالح أنقرة.
الأزمة كشفت عن نتائج كارثية لغياب الشفافية والحوار في معالجة القضايا، فنحن أمام أزمة سد النهضة، أطرافها ثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا، وصلت إلى طريق مسدود، حاولت القاهرة طرح رؤى جديدة، لعمل اللجنة الفنية، بعد الإعلان عن فشلها، بطرح البنك الدولي وسيطاً في الأزمة، وهو المقترح الذي حمله وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى أديس أبابا، ولم يعد المقترح سراً بعد الإعلان عنه رسمياً من الوزير نفسه، وهنا نطرح تساؤلاً مهماً: ألم يكن من الأجدى والأوفق للوزير أن يمر على الخرطوم، في طريق الذهاب أو العودة إلى أديس أبابا؟ وعرض نفس المقترح على السودان، بدلاً من إهماله تماماً، فماذا كانت النتيجة؟ يخرج تقرير إعلامي إثيوبي، لا نعرف مدى صدقه، عن طلب مصري باستبعاد السودان من المفاوضات الثلاثية، وساهمت الأجواء التي تحيط بالعلاقات الثنائية بين القاهرة والخرطوم في تصديقه، مما استدعى نفياً من الخارجية المصرية.
أزمة سحب السفير للتشاور، تؤكد أن السودان متمسك هذه المرة على الأقل، بالتوصل إلى حل للمشكلة العالقة مع مصر، بخصوص السيادة على مثلث حلايب، صحيح أنه في مرات سابقة كانت القضية تثار وتهدأ، وفقاً لترمومتر العلاقات بين البلدين، إلا أن متغيراً مثل موافقة مصر على التوصل إلى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والموافقة المصرية على إعادة جزر تيران وصنافير إلى السعودية، خلق دافعاً جديداً للمطالبة السودانية بالمعاملة بالمثل، وحسم القضية عبر التفاوض المباشر، كما هو في الحالة السعودية، أو الموافقة على الذهاب إلى التحكيم الدولي، وهو ما مكّن مصر من استعادة طابا من السيادة الإسرائيلية، أما ترك الأمور على حالها فلم يعد ممكناً، ويشكل لغماً في العلاقات بين الدولتين، قابلاً للانفجار في أي وقت.
الأمر يمتد إلى قضايا تتعلق بدعم المعارضة في البلدين، واتهامات بتزويد أطراف عديدة بالسلاح، والتدخل بما يضرّ مصالح الدول الأخرى، وكلها قضايا يحكمها الحوار، وتحل به دون تركها.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.