تخلّف الشعوب أم استبداد الحكّام؟

د. محمد عياش الكبيسي

الثلاثاء، 13 فبراير 2018 12:20 ص 235

كنت واحداً من الذين يظنون أن مصائب أمتنا كلها ترجع إلى خطيئة واحدة اسمها «الاستبداد»، والمقصود طبعاً استبداد الأنظمة الحاكمة، وأن الحل كل الحل إنما هو في الانفتاح والحرية والتعددية والمشاركة السياسية.
ربما يكون الأمر كذلك، وربما يكون هذا بسبب بروز قيمة «الحرية» في الثقافة المعاصرة، كقيمة محورية تدور حولها كل القيم الأخرى.
زارنا أمس، واحد من أنشط الدعاة المقيمين في أوربا، والذي له حضوره في الجالية الإسلامية التي يقارب تعدادها النصف مليون من مجموع التسعة ملايين الذين يشكلون سكان ذلك البلد، وهي نسبة مؤثّرة بلا شك لو كان هناك وعي.
في ذلك البلد -كشأن كثير من البلاد الغربية- تتنافس على دفّة الحكم أحزاب يميل بعضها للتسامح مع الجاليات والأقليات، ويميل الآخر للتشدد العنصري أو القومي، وبالمنطق البسيط الذي لا يحتاج إلى ذكاء ولا إلى فلسفة، فإن من مصلحة الأقلية المسلمة هناك فوز المتسامحين مهما كان اسمهم، وأن المسلمين قادرون على ترجيح كفّة هؤلاء على خصومهم بأيسر من اليسير، إذ إن الفارق في الأصوات عادة لا يكون كبيراً، فما الذي يمنعهم من ذلك؟
لقد كان غالب هؤلاء محرومين من ممارسة حقوقهم الطبيعية في بلادهم، وكان يفترض -وفي المنطق البسيط أيضاً- أنهم يتوقون إلى معاني الحرية والمشاركة السياسية أكثر من غيرهم بحكم الكبت والحرمان الطويل، لكنك تكتشف العكس، تكتشف أن هنالك الكثير من المعتقدات والمفاهيم والثقافات قد حلّت محل تلك القيود الاستبدادية، بل وتفوّقت عليها.
قبل سنوات، كنت قد زرت تلك البلاد، وكتبت بعد عودتي مقالاً أو أكثر في صحيفة «العرب» بعنوان «المسلمون في الغرب حضور في الشارع وغياب في المشروع»، وليس هذا موضوعنا اليوم إلا بالقدر الذي ندرك من خلاله أن الاستبداد ليس هو المسؤول وحده عن كل ما يجري، بل إن الاستبداد لو انتهى، فإننا ربما سنبحث عنه ونركض وراءه ونبكي عليه! ويكفي ما نراه في شعوبنا بعد ما سمّي بثورات الربيع العربي، إلى الحد الذي تشعر فيه كأنها نادمة، وكأنها تفكّر بتقديم اعتذارها لحكّامها المستبدّين!
هناك ألقيت الكثير من الدروس وخطب الجمعة، وفي كل مرّة أتفاجأ بذات الأسئلة التي أسمعها هنا في بلادنا العربية والإسلامية، هل تجوز المشاركة في الانتخابات؟ وهل يجوز التعامل مع القانون الوضعي؟ وهل يجوز التعاون مع مؤسسات المجتمع؟ وأذكر أني تحدّثت مرّة عن ضرورة احترام القانون والنظام العام، فعلّق أحد «المشايخ»: كيف أحترم نظاماً جاهلياً؟ وأين هذا من عقيدة الولاء والبراء؟ ومرة أخرى انتفض أحد الشباب وقال: لا والله، هؤلاء الكفرة لا يجوز أن نحترمهم، بل يجب أن ندعسهم بالأحذية! والغريب أن هؤلاء -كما عرفت فيما بعد- ما زالوا يعيشون على نظام الإعانات التي تقدمها لهم تلك المؤسسات الاجتماعية «الكافرة»!
إن المحافظة على الخصوصية الدينية والثقافية أمر في غاية الأهمية، لكن الطريق إليها لن يكون بهذا الانغلاق وتلك السلبية بل العكس، فالأجيال القادمة ربما ستضطر لكسر هذه الأقفال والانفتاح على المجتمع، والخشية أن يكون هذا الانفتاح انفتاحاً أعمى بلا وعي، مثلما كان الانغلاق انغلاقاً أعمى بلا وعي.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.