«أمراء الطوائف» في تونس..!

فيصل البعطوط

الأحد، 15 أبريل 2018 12:41 ص 97

بانطلاق الحملات الانتخابية لأول انتخابات بلدية (محلية) في تونس منذ ثماني سنوات (أمس السبت) يقطع التونسيون شوطاً جديداً في استكمال مسارهم الديمقراطي، وسوف تكون نتائج الانتخابات -التي سيتم الإعلان عنها مع انتهاء يوم 6 مايو المقبل- خاتمة مشوار طويل من الجلد والمثابرة والصبر على إكراهات التحول السياسي، الذي تشهده البلاد منذ 14 يناير 2014.
إلا أن هذه الانتخابات البلدية -التي يتمسك الخارج بإجرائها أكثر من الداخل- تدور في أجواء استثنائية ليس من الدقة وصفها بـ «العرس».. أولاً، لأنها تأتي وسط تجاذبات سياسية عنيفة، فرضتها حالة اقتصادية واجتماعية متردية في عمومها.. وثانياً، لأن صورة السياسيين اهتزت كثيراً في السنوات الأخيرة لدى الرأي العام التونسي، نتيجة تراكم الأخطاء الفردية والجماعية للحكومات المتعاقبة وللأحزاب المتكاثرة، ما قد يكون سبباً لإقبال جماهيري ضعيف، لكنه لن يكون طلاقاً بائناً بين التونسيين والممارسة السياسية التي أحلت ثقافة جديدة بينهم.
سوف يعرق أنصار الأحزاب السياسية لإعلاء كعب مرشحيهم أضعاف المرات التي تعرقوا فيها إبان الحملات الانتخابية، التي جرت على مر السنوات الثماني الأخيرة، وسيتنافسون بشراسة لاحتلال المراتب الأول، التي سوف تمكنهم لاحقاً من التفاخر بأحقية الحكم في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي المقبل على عجل سنة 2019، لكنهم سيواجهون بالتأكيد ثلاث حقائق جديدة:
أولاها: عدم الرضا الشعبي العام والتام عن الأداء الحزبي لما بعد «الثورة»، بسبب ما ظهر للناس على شاشات التلفزيون من ضحالة فكرية، ومن تردٍ أخلاقي لم يدخر أحداً من المصنفين نظرياً ضمن نخب البلاد، إلا من رحم ربك.
وثانيها: ظهور طبقة سياسية جديدة تتكون أساساً من الشباب غير المنتمي حزبياً، والذي لم يسبق له ممارسة السياسة، وقد انتظم معظم هؤلاء في قائمات مستقلة تحاول الأحزاب استمالتها أو التخفي وراءها، طمعاً في كسب مخزون بشري جديد يعيد لها بعضاً من ماء الوجه المهرق.. ويجدد آمالها في الوصول إلى سنة 2019 بحيوية أوفر، وبصورة أقل كلوحة مما هي عليه الآن بعد اهترائها طيلة السنوات الماضية.
أما ثالثة الحقائق الجديدة، فتتلخص في الفسيفسائية السياسية المعقدة التي ستظهرها النتائج، والتي يفرضها النظام الانتخابي الحالي، حيث سيكون من الصعب تصور مجلس بلدي يعمل بانسجام وبفاعلية، وقلوب أعضائه شتى.
ويظل التحدي الأكبر الذي تطرحه الانتخابات البلدية التونسية، هو القانون الجديد لإدارة البلديات (مجلة الجماعات العمومية والمحلية)، الذي هو الآن بصدد المناقشة في مجلس النواب، والذي تحوم شكوك حول إنجاز اتفاق حوله قبل ظهور نتائج الانتخابات.. وهو ما يعني في هذه الحالة، صعود مجالس بلدية جديدة لما بعد «الثورة» تتحكم فيها قوانين ومراسيم ما قبل «الثورة»!
تلك مفارقة أولى تقابلها مفارقة ثانية تتلخص في أن مشروع القانون الجديد لمجلة الجماعات العمومية والمحلية يحمل في فصوله الـ 400 ثورة راديكالية تضعف الحكم المركزي، وتحيل للمجلس البلدي صلاحيات تخول له استقلالاً تاماً عن المركز، وحتى رفضاً لقرارات الحكومة، فالدخول في متاهة التقاضي التي لا تنتهي قبل عدة سنوات... وإذا أضفنا ذلك إلى ما تقدم من ملابسات سياسية وتشريعية، فإنه يمكن الجزم من الآن بأن هذه الانتخابات، قد تكون فعلاً خاتمة المسار الديمقراطي في تونس.. لكنها قد تكون أيضاً بداية تحلل الدولة التونسية، وظهور جديد لـ «أمراء الطوائف» من تونس..!

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.