سكون تجريم الكسب غير المشروع

‏بيّنة المري

الثلاثاء، 17 أبريل 2018 01:11 ص 82

من الظواهر الخطيرة جرائم الفساد التي نجدها في كل أين وآن نتيجة لغياب الشفافية والمساءلة، ‏وهذا سبب من أسباب تركز الثروة في يد فئة دون الأخرى، حتى أصبحت دُولة بين الأغنياء، وقد قال علي بن أبي طالب: «ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع»، ‏ومن الجرائم التي فيها اعتداء على المال العام «الكسب غير المشروع»، والتي يلزم لنهوض المسؤولية الجنائية فيها تدخل تشريعي، لأن المشرّع الجنائي جعل العقوبات على سبيل الحصر وفقاً لمبدأ الشرعية الجنائية، والذي نص عليه الدستور في المادة (40): «لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون»، فالأصل في الأمور الإباحة، وبناء على ذلك نحن هنا أمام فراغ تشريعي، وهذا الوضع يُمكّن الجاني -الذي تضخمت ذمّته المالية- من الإفلات من المساءلة الجنائية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن واقعة «الكسب غير المشروع» نصت عليها الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد 2003، وصادقت عليها دولة قطر، والمادة 20 من الاتفاقية عرفت الإثراء غير المشروع الذي يقوم به الموظف العام بأنه «زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة، قياساً إلى دخله المشروع».

‏بالتالي، يقع على عاتق قطر تنفيذ التزام دولي، ومواءمة تشريعاتها الوطنية مع أحكام الاتفاقية، والجدير بالذكر أن الاتفاقية نصت على طائفتين من الجرائم، جرائم إجبارية، وجرائم اختيارية، وجريمة «الكسب غير المشروع» من ضمن الجرائم الاختيارية، وهذا موطن ضعف فيها، لأنهُ يؤثر على جهود مكافحة الفساد.

‏علاوة على ذلك، أن تجريم «الكسب غير المشروع» سيدعم جهود هيئة الرقابة الإدارية والشفافية في التحري عن الفساد، ويعزز الشفافية والنزاهة على الصعيد الوطني، فهذا الهدف الذي أنشئت من أجله، وبالنسبة للقول المتواتر بوجود شبهة دستورية في تجريم «الكسب غير المشروع»، لأنه يهدم قرينة البراءة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، الذي جاءت به الديانات السماوية، ونصت عليه الاتفاقيات والدساتير، يمكن الرد عليه بأنه إذا أثبتت النيابة العامة أن هناك تضخماً في الذمة المالية للموظف العام الخاضع للقانون، وهذا التضخم لا يتناسب مع دخله من الوظيفة، هنا تقوم قرينة على الكسب غير المشروع، وهي قرينه بسيطة قابلة لإثبات العكس، وليست قرينة قاطعة، ويمكن دحضها إذا قدّم الموظف إقراراً عن الذمة المالية في بداية الخدمة ودورياً وعند نهاية الخدمة، وإن عجز عن إثبات مصدر الزيادة اعتُبرت كسباً غير مشروع، وأشارت إلى ذلك محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 1356 بتاريخ 27/12/1965: «يتعين على قاضي الموضوع -لأخذ المتهم بجريمة الكسب غير المشروع- أن يثبت في حكمه توافر أمرين هما: الزيادة غير المبررة في مال الموظف، وكون نوع وظيفته بالذات يتيح له فرصة ذلك الاستغلال، حتى يصح اعتبار عجزه عن إثبات مصدر الزيادة في ماله قرينة قانونية عامة، على أن هذه الزيادة تمثّل كسباً غير مشروع».

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.