أردوغان في عيون العرب (2-2)

د. محمد عياش الكبيسي

الثلاثاء، 10 يوليه 2018 01:04 ص

إن «الإسلاميين» العرب ربما يجدون في النجاحات الأردوغانية عزاء مناسباً للانتكاسات الخطيرة والتبعات الثقيلة التي تنوء بها مشاريعهم المرتبكة، كأنهم يقولون للناس: إن مشاريعنا تمتلك القدرة على تحقيق النجاح وإن أخفقت في بعض محطّاتها ومراحلها، وهذا يذكّرني بفرّاش مدرسة كان عندنا في الفلوجة، وكان يستحيي من ذكر راتبه المتواضع، فكان حينما يُسأل عنه يقول: أنا والمدير راتبنا كذا!
إن الجماعات الإسلامية في عالمنا العربي مطلوب منها أن تراجع سياساتها المعتمدة أساساً على الأيديولوجيا المكثّفة، والتي تتناقض أساساً مع التجربة الأردوغانية التي تعتمد على الإنجازات المادّية الملموسة والبعيدة تماماً عن الخطاب المؤدلج، فأردوغان ليس داعية إسلامياً بالمفهوم العربي للدعوة، كما أن حزبه ليس حزباً إسلامياً بالمفهوم العربي للأحزاب الإسلامية، فالكثير من أعضاء العدالة والتنمية ليسوا من المتدينين أصلاً، والحزب بطبيعته لا يمارس الدعوة، ولا يقيّم الناس على أساسها، إنه حزب سياسي ببرنامج اقتصادي وتنموي، مع سمت إسلامي عام، لا يتدخل في التفاصيل.
أما الكلام عن «الخلافة العثمانية» عند من يبشّر بها أو عند من يتخوّف منها فلا يعدو أن يكون صراعاً بين أحلام ومخاوف لا حقيقة لها، فمشروع الخلافة غير مطروح أصلاً في أدبيات العدالة والتنمية، ولا شك أنه لو طُرح بأي صيغة من الصيغ فإنه سيتسبب في تصدعات خطيرة بقواعد الحزب، أما الشعب التركي فمع أنه شعب مسلم ومتمسك بهويته الإسلامية إلا أنه غير مستعد -حتى من الناحية النظرية- أن يناقش مثل هذا الموضوع، غاية ما في الأمر أنك قد تجد من بعضهم من يمجّد التاريخ العثماني، باعتباره تاريخاً مجيداً لأجدادهم، لكن العرب من الصنفين يفسّرونه بما يناسب أحلامهم أو مخاوفهم، علماً أن كل المؤيدين للعدالة والتنمية وللرئيس أردوغان -على اختلاف توجهاتهم- لم يتجاوزوا نسبة 53%، وهذه النسبة قد تهبط هبوطاً كبيراً في حالة التلويح بالخلافة، أو تطبيق الشريعة.
يضاف إلى كل ما ذكر، فإن اهتمامات أردوغان بالقضايا العربية لا تشكّل شيئاً لا بالنسبة لأحلام الحالمين، ولا بالنسبة لمخاوف المتخوّفين، ومن مجافاة الحق والحقيقة مقارنة المشروع التركي مثلاً بالمشروع الإيراني في هذا المجال، فإيران التي تبنّت مبكراً مشروع «تصدير الثورة» ما زالت تلقي بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري في أي بقعة تتمكن من الوصول إليها في عالمنا العربي، بينما لم تتدخل تركيا في أي بلد عربي إلا بالحدود الضيقة جداً والمبررة داخلياً.
إن على العرب الحالمين والمتخوفين أن يكفّوا عن مجادلاتهم العبثية حول «الخلافة الأردوغانية»، فليس لهذه الخلافة من وجود إلا في مخيّلاتهم، كما أنه ليس وارداً في مشروع أردوغان أن يعيد الحكم للإخوان في مصر، ولا أن يحارب إسرائيل من أجل حماس، ولا أن يحارب إيران من أجل السوريين، أو من أجل سنّة العراق، كما أنه لن يقيم دولة تجلد الشارب، أو تقطع السارق، أو ترجم الزاني.
إن مشروع أردوغان مشروع وطني تركي، وإن كان بسمت إسلامي، وإن اهتماماته الخارجية لا تخرج أبداً عن اهتمامات «الدولة الحديثة» بعلاقاتها ومصالحها الخارجية، وليس هناك أي مؤشّر عملي للخروج عن هذا السياق، وللعرب أن يبنوا علاقاتهم مع تركيا على هذه الأسس أيضاً.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.