تجربة التحليل السياسي

ماجد محمد الأنصاري

الثلاثاء، 10 يوليه 2018 01:03 ص

منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة بمراحل عديدة، في البدايات حين كنت خريجاً حديثاً من قسم العلوم السياسية في جامعة ليدز البريطانية، ركزت على المثل التي تعلمتها في الجامعة، ولو عدت لمقالاتي في ذلك الحين لوجدت شخصاً أكثر مثالية وأقل مرونة، كان الطرح بعيداً عن معوقات الواقع وتحدياته، كان الحل لكل أزمة جاهزاً، ومع مرور الزمن تغيرت اللغة وتعدل الخطاب، فالمثل السياسية تكسرت على صخور الأزمات المتكررة، وتكونت قناعات جديدة منطلقة من إكراهات الواقع، أصبح التفاؤل حذراً والمثل غدت لوحات جميلة نتأملها تقود الواقع، لكنها ليست بالضرورة التعبير الأفضل عنه.
في مشوار التحليل السياسي أكثر ما تتعلم منه هو تحليلاتك الخاطئة، فالمحلل السياسي يعتمد مناهج ونماذج تحليلية مختلفة، كلها تشترك في شيء واحد وهو أنها «تحليل» للواقع و»استشراف» للمستقبل، وبالتالي لا يمكن لتحليلاتنا أن تكون يوماً حتمية، ولكن مع الممارسة ينخفض تدريجياً هامش الخطأ، ليس لأن التوقعات تصبح أكثر صواباً فحسب، بل لأن المحلل السياسي يصبح أكثر حذراً في إطلاق توقعاته، وأقل إقداماً على الاستنتاجات الحاسمة، ومن أهم ما تصل إليه بعد سنوات من الممارسة أنك ليس مطلوباً منك التعليق على كل حدث، خاصة حين تكون المعطيات ناقصة، في كثير من الأحيان يسألك أحدهم عن رأيك في حدث ما، فترد بأن المعطيات الموجودة لا تسمح لك بتحليل الموقف، تقابلك طبعاً تعبيرات الاستنكار، ولكن مواجهتها أفضل بمراحل من تحليل ناقص يفتقر إلى ما يكفي من المعطيات لتجعله صلباً.
وبالانتقال من الكتابة إلى الحديث عبر الوسائل المرئية والمسموعة، تبرز تحديات جديدة، التحليل الذي تكتبه ثم تراجعه، ثم ربما تشاور فيه مختصاً قبل نشره أصبح أحياناً مطلوباً منك بشكل فوري استجابة لسؤال هنا أو تطور هناك، لذلك يفشل بعض الأكاديميين الذين اعتادوا الكتابة في التصدي لهذا النوع من التحليل، لأن مساحة الخطأ فيه أكبر بكثير، والفرصة المتاحة أمامك لمراجعة أفكارك محدودة، ومن أخطر ما يصاب به المحلل السياسي في فترة الأزمات ما يمكن أن نسميه الإرهاق التحليلي، فمع تسارع الأحداث وكثرة الظهور تصبح كمن يحاول أن يلعب بكرات متعددة في آن واحد، ولا شك أن بعض هذه الكرات بعد فترة سيقع على رأسك، لذلك على من يتصدى للتحليل بهذا الشكل أن يعرف حدوده الذهنية ولا يتجاوزها كماً وكيفاً، حتى يضمن المحافظة على جودة تحليلاته.
أخيراً مع انغماسك في تحليل الأحداث الراهنة تفقد أحياناً النظرة الشاملة الاستراتيجية للأمور، مما يجعلك تدور في حلقة الأحداث غير منتبه لارتباطها بأنماط ممتدة مكانياً وزمانياً، ولذلك من المهم في كل فترة أن تعيد النظر وتوسع دائرة القراءة والمتابعة خارج نطاق الأحداث الراهنة، حتى يبقى خط تفكيرك مرتبطاً بالسياق الأعم والأشمل، وبذلك لا تكون تحليلاتك معزولة عن المحيط.
ختاماً.. أحببت أن يكون هذا المقال الذي يستعرض تجربة متواضعة في مجال التحليل السياسي هو ختام تجربتي الجميلة مع أقدم الصحف القطرية، فبعد سنوات مميزة قضيتها أطل عليكم من على صفحات «العرب» أنتقل إلى تجربة جديدة، كل الشكر للزملاء في «العرب» رؤساء التحرير أحمد بن سعيد الرميحي وعبدالله بن حمد العذبة، ومدير التحرير جابر بن ناصر المري، وأخص بالتحية والشكر من قضى الساعات الطوال ينتظر مقالاً أسبوعياً من كاتب امتهن الإرسال بعد اللحظة الأخيرة، الأخ سعيد دهري، مسؤول الصفحة، الذي كان لا يسمح لكاتب هذه السطور أن يتغيب، ولا أن يذعن للكسل، وشكراً لكم جميعاً على متابعتكم واهتمامكم وتعليقاتكم، وإلى اللقاء.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.