التربية من أجل الناس!

د. عبد الرحمن الحرمي

الثلاثاء، 10 يوليه 2018 01:18 ص

هل التربية من أجل الناس هي من معاناة الآباء أم من معاناة الأبناء؟ أم كلاهما يتحمل هذا الضغط؟ إنه ذلك المنهج الخاطئ الذي يتبناه الكثير من أولياء الأمور، الآباء والأمهات على حد سواء، نحن من نصنع هذا بأيدينا، ونحن أيضاً من يدفع هذه الفاتورة الباهظة من راحتنا وراحة أبنائنا، إن التريبة من أجل الناس تعب لا ينتهي وضغط لا يتوقف وطريق ليس له نهاية، والغريب هنا قد تجد أحد الآباء يشكو من سبب تقليد أبنائه للآخرين، ولعلك تجده يسأل عن السبب! وهي النتيجة الطبيعية والمتوقعة من هذا النوع السلبي من التربية، لأننا أجبرنا الأبناء بطريقة أو بأخرى على أن يكونوا مثل الآخرين وأنسيناهم أنفسهم وعالمهم وخصوصياتهم في الحياة، وجعلنا منهم نسخاً لأشخاصٍ مختلفين عنهم تماماً، إن مسألة التقليد هي صناعة بيتية تبدأ بالأم والأب حين يطالبان الأبناء بأن يكونوا كغيرهم «كن مثل ابن عمك»، فيبدأ هذا السلوك غير المرغوب يتسرب إلى عقول الأبناء وتبدأ هذه الفطرة بالتشوه، وننسى هذا الأثر عن المربي الأول صلى الله عليه وسلم (وإن كان في سنده كلام إلا أن معناه صحيح) يقول ناهياً عن التقليد الأعمى: «لا تكونوا إمعة؛ إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم؛ إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن لا تظلموا».
إن هذا الأثر يخلق في أبنائنا تلك الشخصية الحرة القادرة على تقييم الأمور وأخذ قرارات صائبة غير تابعة للآخرين، بل يؤثّر فيهم دون أن يتأثر، يمتلك القدرة على قول كلمة «لا» عندما لا تتوافق هذه السلوكيات مع معتقداته وقيمه الإسلامية أو المجتمعية، إننا اليوم نجد أنواعاً من التقليد الأعمى في مسائل كثيرة جداً، منها على سبيل المثال لا الحصر مسألة التكاليف الباهظة والجنونية في الأعراس التي تكلف مئات الآلاف من أجل إرضاء الناس، وتلك أمنية عادة لا تتحقق، وتصبح هذه المبالغات اللامعقولة مصدر ألم وإزعاج لعشرات السنوات، بل قد يكون هذا التقليد مصدراً لتعاسة الحياة الزوجية، والسبب في ذلك معروف أن سلطة الناس أقوى من سلطة العقل والمنطق والمصلحة الشخصية.
ثم إياك أن تعتقد أن تقييم الناس لأبنائك هو التقييم الصحيح، بل في الغالب ليس صحيحاً، وقياس الناس دائماً ما يكون إيجابياً مع الشخصية السلبية، تلك الشخصية الصامتة التي لا تسأل ولا تعترض ولا تتحاور، وجودها كعدمه، هذه الشخصية التي عادة ما يُعجَب الناس بها ويمدحونها في مجالسهم ويصفونها بالشخصية المؤدبة، وهذا عكس ما نتمناه لأبنائنا الذين نريدهم قادة في الناس يمتلكون رأياً مستقلاً بهم، قادرين على المواجهة البنّاءة، لا أولئك الذين اعتادوا على هز رؤوسهم بالموافقة الآنية والتبعية المطلقة.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.