صراع مفتوح!

أسامة عجاج

الخميس، 12 يوليه 2018 12:21 ص

«أوضاع الصحافة في مصر مخيفة ومرعبة»، هذا هو توصيف مقر الأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية الحق في الرأي والتعبير ديفيد كاي، وقد زاد الأمر سوءاً في الأسابيع الأخيرة، في ظل تطورات غاية في الخطورة، تشهدها الساحة الإعلامية، نتيجة صراع على من يملك زمام الأمور؟ ومن له الحق في توجيه والسيطرة على الإعلام؟ تنوعت ما بين صراع مفتوح بين جموع الصحافيين ومجلس النواب، حول مشاريع قوانين تراها الجماعة الصحافية ماسة بالحريات، وتعيد من جديد إمكانيات الحبس الاحتياطي للصحافيين، وهي أحد الإنجازات المهمة والمكاسب التي تحققت منذ عقود، ويراد الرجوع عنها، ومنها أيضاً المواجهة المثيرة بين بين النائب العام في مصر المستشار نبيل صادق، مع رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مكرم محمد أحمد، بعد إصدار الأخير قراراً بحظر النشر في قضية مخالفات مالية لمستشفى السرطان ٥٧٣٥٧، والذي اعتبره النائب العام مخالفاً للقانون، ولا أثر له.
الأمورلا تبدو مبشرة بانفراج الأزمات المتشعبة، ومن التعسف التعويل على سوابق تاريخية في الصراع بين السلطة في مصر وبين الصحافيين، وأشهرها معركة الجماعة الصحافية في عام ١٩٩٥ في مواجهة القانون 193، فالأوضاع السياسية مختلفة، وموازين القوى مختلة، ففي ذلك الزمان، وأمام هذا القانون توحد كل الصحافيين بكافة توجهاتهم، حتى أن من قاد المواجهة يومها النقيب إبراهيم نافع بعلاقاته القوية مع نظام مبارك، ولكنه كان أفضل تعبير عن رأي الجماهير الرافضة للقانون، بينما مجلس النقابة الحالي، برئاسة عبد المحسن سلامة، هو نتاج مرحلة ما بعد اقتحام الأمن المصري لمقر النقابة، وهو الأمر الذي لم يكتف البعض من الصحافيين به بتأييده والإشادة به، بل سعوا إلى شق الصف الصحافي، بما سمي يومها جماعة «تصحيح المسار» التي استهدفت معاقبة وإقالة مجلس النقابة السابق، برئاسة يحيى قلاش لمواقفه المناهضة للاقتحام.
كما أن الأوضاع السياسية في مصر مختلفة، عن فترة منتصف التسعينيات تماماً، يومها كان هناك هامش سياسي للحركة، وكيانات وشخصيات تمرست بالعمل السياسي، تعرف ماذا تفعل؟ ومتى تتوقف؟ أو حتى تتراجع؟ أما الآن فنحن أمام وضع مأساوي وصل إلى أن عدد الصحافيين في السجون يتجاوز 20 شخصاً، وأمام سلطات لا تلاحق المعارضين فقط، وإنما تلاحق أيضاً أي صاحب رأي مخالف، وآخرهم رئيس تحرير موقع «مصر العربية» عادل صبري، الذي تم الإفراج عنه منذ أيام، بعد أن ظل في السجن منذ أبريل الماضي، كما تمت إقالة رئيس تحرير «المصري اليوم»، وهي صحيفة مستقلة من منصبه، على خلفية شكوى من المجلس الأعلى للإعلام، بسبب مانشيت في نهاية مارس الماضي، حول حشد الدولة للناخبين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، هذا المجلس الذي تحول بقدرة قادر إلى جهاز لحظر النشر، وهو ما دعا النائب العام إلى استدعاء رئيسه للتحقيق، بل وصل الأمر بالنائب العام إلى تذكير شخص بقيمة مكرم محمد أحمد بمهام المجلس، في ضمان وحماية حرية الصحافة، وحق المواطن في التمتع بإعلام وصحافة حرة ونزيهة، كما جاء في بيان الاستدعاء في رسالة ذات مغزى وإن كانت تكشف عن ذلك الصراع حول الصحافة.
المواجهة مستمرة بين إعداد لا بأس بها من الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين ومجلس النواب، الذي أصدر مشاريع قوانين، قيل إنها منظمة للصحافة والإعلام، دون أخذ رأي نقابة الصحافيين كما ينص الدستور والقانون، بل تم اعتبار ملاحظاتها «فرمانات مرفوضة»، كما قال كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، كما المشاريع تصادر ما تبقى من مساحات للتعبير عن الرأي، وتخل بتعهدات مصر الدولية، عبر مواد تجافي روح الدستور ونصوصه، من خلال تعبيرات مطاطة تتسع لتجريم كل صاحب رأي، وتهدد ضمانات أساسية للعمل الصحافي، بإعادة الحبس الاحتياطي في جرائم النشر التي تم إلغاؤها منذ عقود، كما أنها تخالف المادة 71 من الدستور الحالي، والخاصة بفرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو مصادرتها، وحصرها في ثلاث فقط، وحتى الآن تبدو جموع الصحافيين عاجزة عن التوصل إلى شكل لمواجهة مشاريع القوانين، رغم أن قسم التشريع في مجلس الدولة أرسل للبرلمان مذكرة، أشار فيها إلى عدم دستورية عدد من المواد في القوانين، مما يوفر فرصة إما للتعديل أو العودة إلى الأصول، بمناقشة موسعة لأي مشاريع جديدة، منظمة بمشاركة من النقابة وجموع الصحافيين.
ويصبح السؤال هل يتراجع النظام؟ أم أن هناك إصراراً على العودة إلى إعلام الستينيات، إعلام الصوت الواحد.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.