وداعاً رجل البر والإحسان (أبو بدر)

ناصر منصور

الجمعة، 10 أغسطس 2018 05:17 ص

ترجّل يوم الأربعاء الماضي (26 - 11 - 1439هـ / 8 - 8 - 2018م) فارس ورائد من روّاد العمل الإسلامي والخيري في دولة قطر والعالم العربي والإسلامي، الوالد الكريم التقي النقي السمح السخي، الأستاذ أحمد إبراهيم صديقي العمادي أبو بدر. قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى? وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ? وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس: 12] وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَة الْمَوْتِ ? ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّة غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 57 - 58]

من هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتركوا أثراً يُكتب، وقدّموا عملاً صالحاً يُرفع -بإذن الله- الوالد الكريم أبو بدر، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً.. فقد شارك في إنشاء المصرف الإسلامي، و"قطر الخيرية"، ومشاريع مدنية وزراعية في دولة قطر، خاصة خلال الحصار الظالم المفروض عليها. كما بنى مساجد، وحفر آباراً، وأسّس مدارس وجامعات في آسيا وإفريقيا.

عرفته وصاحبته لأكثر من خمسة عشر عاماً، فما وجدت فيه إلا خيراً.

صفاته وشمائله

يتلألأ نور الطاعة والحب للإسلام والمسلمين وعمل البر والإحسان على محياه، ويستقبلك متهللاً، ويفرح لسماع الأخبار السارة عن المسلمين في كل مكان، وخاصة في مجال التعليم ونجاح الطلاب وتفوّقهم؛ وذلك لإيمانه بأن الإنسان المتعلم الصالح هو مفتاح التقدم والرقي والنهضة للأمم والشعوب.
وعندما تتحدث معه تعلم إلمامه بهموم الأمة والعالم الإسلامي وحرقته على قضاياهم.

رأيته مخلصاً شهماً مقداماً مبادراً إلى كل خير، ورغم ذلك كان متوضعاً ورعاً تقياً لا يتعالى على أحد، يشجّع على العبادة والتقدم والتفوق وعمل الخير. وله أثر صالح وصدقة جارية في كثير من دول العالم.
وكان طوال حياته باراً بوالديه وإخوانه وأصهاره وأنسابه وأرحامه وأهله جميعاً براً نادراً في زماننا، لدرجة أن أهله جميعاً كباراً وصغاراً يعتبرونه أباً لهم.

وكانت له خبيئة مع الله، فكم من محتاج وطالب علم كفلهم من غير أن يعرفوا أنه هو كافلهم، وكان لا يحب التحدث عما يفعل وينسب الفضل إلى الله.

كان يهتم بالمشروعات التنموية لبلده وبلاد المسلمين، التي نادراً ما يهتم بها التجار، مما ينمّ عن وعيه بأهمية هذه المشروعات.
كان محباً للخير مشجعاً عليه، يجد سعادته في إدخال السرور على الآخرين. رافقته في السفر، فكان حلو المعشر خفيف الظل، صاحب ابتسامة بشوش الوجه، مبادراً خدوماً يخدم من معه حتى وإن كانوا أصغر منه سناً، وكان حريصاً على إسعاد من حوله.
ووجدت فيه نموذج المسلم الرائد الذي الذي لا يدخّر وسعاً في النهوض بأمته ووطنه.
في صحبة الوالد الكريم ومشروع جامعة المدينة
تعرّفت عليه في قطر في مجلس الوالد عبدالله العمادي -رحمة الله عليه- منذ خمس عشرة سنة، وتناقشنا في أحوال المسلمين في إفريقيا، وسمع منّي باهتمام بالغ. وقد كنت شرعت مع الدكتور أحمد الحمادي من "قطر الخيرية" الذي كان زار غانا في أخذ أرض حوالي ثمانية عشر إيكر، من الأخ الكريم الحاج سالم القلموني في دولة غانا، وبدأنا الترخيص للبناء عليها لجامعة المدينة، فبنينا السور وجهّزنا الأرض، وبدأنا ببناء كلية وعمارة لسكن طلابي، فتحدثت معه وشرحت له المشروع، فبارك المشروع ووعدنا بأن يشارك معنا طوال عملنا في المشروع واستمر وصدق في وعده، حتى أنه شارك في بناء مسجد باسم والديه للجامعة، وكليتين، ومبنى للفصول وإدارة الجامعة، ومستوصف وبعض المحلات الوقفية. وبلغت تبرعاته قرابة نصف تكلفة الجامعة، بما يعادل كل تبرعات الآخرين.

وزار الجامعة في غانا، وافتتح ثلاثة مبانٍ، والمسجد الذي بناه لوالديه وفرح أيّما فرح حتى بكى وهو يصلي في مسجد والديه فرحاً ببرّهما. وزار كثيراً من المؤسسات التعليمية والإذاعة الإسلامية في غانا (إذاعة مرحباً)، وساهم في كل المؤسسات التي زارها، وزار رئاسة جمهورية غانا وشجّعهم على العمل والتعليم، فكان خير رسول لعمل الخير وللوجه المشرق لدولة قطر.

ولمّا شاهد عملنا في إفريقيا ووجودي منذ ثمانية وعشرين عاماً أتحرك بين سهولها وهضابها وصحرائها، كما قال الشاعر بن باديس: (لما تنسى إفريقيا ولا صحرائها سجداتنا والأرض تلهب ناراً)، قدّم لنا كل الدعم وتعاهدنا على العمل معاً في عمل الخير من دعم الطلاب والفقراء والأيتام.

بشرى في المنام

لقد رأيته في المنام بالأمس -بعد سماع خبر وفاته بساعات- فرحاً مسروراً، يقول لي أنا بخير والحمد لله، وإفريقيا ستكون بخير، فلا تقلق عليّ ولا على إفريقيا.. ستكون بخير.


وداعاً أبا بدر
الله الله يا أبا بدر، نَمْ قرير العين، فنحن نحسبك -بفضل الله وحوله- قد أنرت قبرك قبل أن تدخله، وبنيت بيتك في الجنة قبل أن تسكنه، وعلّمتنا الأخوة والحب في الله والإنفاق في سبيل الله وإسعاد الخلق من الفقراء والمحتاجين. وكنت دائماً توّاقاً للخير ما إن تنتهي من مشروع من مشاريع البر إلا وتشرع في ثانٍ وتخطط لثالث، وكأنك تسابق الزمن وتريد أن تدرك المنزلة التي كتب الله لك قبل موتك.

وإننا إن كنا اليوم نعزّي أنفسنا ونعزّي أبناءك وأهلك ووالدتك وإخوانك الذين يترضّون عنك ويدعون لك، وإن كانت إفريقيا تبكيك طلابها ودعاتها وفقراؤها وأيتامها؛ فإننا يقيناً بوعد الله الكريم لا نخشى عليك، فإن عملك وأجرك مستمر، وصدقتك جارية وستثمر لك حسنات كالجبال إلى قيام الساعة.

واللهَ نسأل أن يتغمدك برحمته، وينعم عليك بجوار الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والصحب الكرام والنبيين والصديقيين والشهداء والصالحين والمحسنين، وألا يحرمنا أجرك، وألا يفتنّا بعدك، وأن يخلفك في أبنائك بخير فيكونوا خير خلف لخير سلف، وأن يسيروا على نهجك من أعمال البر، وأن يعوّض الأمة بأمثالك.. {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23]

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.