منع الحرائق قبل اشتعالها

عادل إبراهيم حمد

السبت، 11 أغسطس 2018 12:48 ص

انهار سور مدرسة لتموت ثلاث تلميذات تحت ركام السور المنهار في مشهد قطع نياط القلوب. بعدها علت الأصوات متسائلة عن ضوابط منح التصاديق للمدارس الخاصة، وتساءلت إن كانت لجنة فنية قد اعتمدت هذه المدرسة وغيرها من المدارس بعد أن تأكدت أن المباني مستوفية الشروط من ناحية سلامة التلاميذ. هي تساؤلات تقريرية تشير إلى غياب الضوابط التي لا يتذكرها المسؤولون إلا بعد وقوع الكارثة.. هذا انعكاس لحالة استرخاء عامة يتبعها مع مرور الزمن حالة من التبلد، فلا يحس المجتمع ولا السلطة بمخاطر تحيط بهم من كل جانب، إلا بعد أن يأتي الحريق على الأخضر واليابس.
تتعدد أمثلة الاسترخاء، فقد تسيدت الساحة هذه الأيام عبارات مثل المتلاعبين بقوت الشعب والقطط السمان، مقترنة بوعيد للمتلاعبين ووعود لضحاياهم.. لكن، هل سمنت القطط فجأة ليجد المسؤولون قططاً تملأ الساحة بلا سابق إنذار، وهل كان الاقتصاد في كامل عافيته ثم تراجع الجنيه السوداني، ليبلغ خمسيناً في مقابل الدولار؟
قطعاً الإجابة (لا). فقد ظل الإنتاج متراجعاً، بلا تشجيع للمنتج الحقيقي، «جوكية» البنوك يسرحون ويمرحون، والعملات الحرة توظف لاستيراد الكريمات، ولا توجه العملات المخصصة للدواء في غرضها الحقيقي، ولم يكن عدم الوفاء بتوريد عائد الصادر سراً غائباً على ولاة الأمر، وقطعاً لم يكن تهريب الذهب عبر المطار حدثاً كشفته جريمة اغتيال عمال في المطار.
إنه التراخي مع المخالفات الصغيرة، وهو بداية السير في طريق الفوضى والانهيار الكبير عندما تصبح المخالفة الكبيرة أمراً مألوفاً.. فقد ظهرت لهبة من مستصغر شرر الفوضى الاقتصادية، لكنها لم تكن كافية للفت الانتباه حتى عانق لهيب الحريق عنان السماء، فسارع المسؤولون لإطفاء الحريق.
صار الاسترخاء حالة عامة، لكنها في الوضع الاقتصادي أشد وطأة، لذا تبين بوضوح.. حالة الاسترخاء شملت كل المناحي، فنقرأ عن أخطاء طباعية في الامتحان، ولا رد فعل يتناسب والحالة، ويقتل بين مرة وأخرى شخص بالرصاص في مناسبات الأفراح، ولا إجراء صارماً يمنع الظاهرة الخطيرة.
في مجال الصحة أصبح الحديث عن الأخطاء الطبية مألوفاً. وهو دليل على شعور بالاسترخاء الذي لا يجعل صاحبه يحس بخطورة ما يفعل، ويرتبط هذا المثال بحالة أخرى في هذا المجال، حيث ظل وزير الصحة الولائي يطالب الأطباء بالوجود في المستشفى أثناء ساعات العمل، وألا يغادروا المستشفى إلى العيادات الخاصة إلا في وقتهم الخاص، وهي مناشدة أقرب إلى الرجاء، رغم أن لوائح الخدمة لا تسمح لأحد بترك موقع عمله، لكنها حالة الاسترخاء.
لا علاج لهذه الظاهرة الخطيرة إلا بحملة كاسحة يسندها إعلام داوٍ يسمع الآذان التي أصمها الاسترخاء، ويحيي المشاعر التي أماتها الاسترخاء، ويصحب الحملة تطبيق صارم للقوانين واللوائح، فلا يسمع بعدها صوت للرصاص في بيوت الأفراح، ولا غياب لطبيب في مستشفاه، ولا أخطاء طباعية في المنهج المدرسي أو الامتحانات، ولا انهيار لمبنى لم يكتمل بناؤه، ولا شرخ في كبرى لم يبلغ الثامنة. ويعرف الجميع أن الأموال العامة خاضعة لمراجعة دائمة حتى لا تتراكم الأموال المتحصلة وتبلغ عشرات الملايين من الريالات، فيتصرف فيها من يتصرف بلا أدنى إحساس بالحياء أو الخوف، كما حدث بالفعل في مواقع فقدت ثقة المواطن.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.