الصفقة المزدوجة

أسامة عجاج

السبت، 11 أغسطس 2018 12:48 ص

العقل الفلسطيني يبدع كل جديد، ولعل مسيرات العودة المستمرة منذ ٣٠ مارس الماضي حتى الآن تمثل إحدى تلك العبقريات، وكل المؤشرات تقول إنها وإن لم تحقق كل أهدافها، فإنها في محصلة أولية نجحت في تحريك البحيرة الراكدة، وتغيير الأمر الواقع، والذي تمثل في ثلاثة أبعاد، حصار لقطاع غزة مستمر منذ ٢٠٠٦، وأزمة تبحث عن حل بين فتح وحماس، ومواجهات مستمرة بين إسرائيل وحماس، تصل أحياناً إلى مواجهات عسكرية، وأحياناً أخرى إلى مناوشات بين الطرفين، فجاءت مسيرات العودة لتمثل فعلاً نضالياً يبقي على قضية حق العودة هدفاً رئيسياً للشعب الفلسطيني المناضل في غزة، كما أنها شكل من أشكال النضال السلمي، عندما يتجمع الآلاف في مسيرات سلمية على خطوط التماس مع إسرائيل، التي سعت إلى إجهاضها باستخدام السلاح في مواجهة حشود سلمية، فسقط خلالها العديد من الشهداء والجرحى، في مشهد عجزت فيه إسرائيل عن التعاطي مع هكذا تحرك، وسبب لها حرجاً شديداً أمام المجتمع الدولي، لأن المسيرات وببساطة، لم تستخدم طلقة واحدة، ولم تتسبب في خسائر للجانب الإسرائيلي، على عكس الفلسطينيين.
والثاني الدخول في مفاوضات غير مباشرة، للتوصل إلى صفقة متكاملة بين حماس وإسرائيل، حول هدنة طويلة الأمد، يقدرها البعض بعشر سنوات، وتجد حركة حماس نفسها أمام مواجهة سياسية مزدوجة، مع فتح من جهة، ومع إسرائيل من جهة أخرى، وقد حسمت أمرها سريعاً، فيما يخص القضية الأولى، عندما وافقت على مضمون الورقة المصرية للمصالحة، والتي تضمنت إطاراً زمنياً لتحقيق شروط المصالحة، عبر أربع مراحل، حيث تستمر المرحلة الأولى أسبوعاً، يتم خلالها دفع رواتب الموظفين، وعودة الوزراء لوزاراتهم، والبدء في مشاورات لتشكيل حكومة وطنية خلال مدة أقصاها خمسة أسابيع، وبحسب الوثيقة، فمن المقرر أن تستمر المرحلة الثانية ثلاثة لأسابيع، حتى يتسنى تطبيع سياسة الرواتب على موظفي الضفة وغزة، وتسليم حماس الضرائب لحكومة السلطة، مع اقتطاع جزء لدفع رواتب الموظفين الأمنيين، ورفع الحواجز عن المعابر الحدودية، وفي المرحلة الثالثة التي تستمر من ثلاثة أسابيع لشهر تجتمع اللجان الأمنية بالضفة والقطاع، لبحث الترتيبات الأمنية، تحت إشراف مصري، وفي المرحلة الرابعة تستضيف القاهرة اجتماعاً للجنة تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وتبدو حركة فتح لا تملك الرغبة نفسها في التعاطي إيجابياً مع الورقة المصرية، وتلكأت في الرد عليها، وإن كانت أبدت تحفظات على صياغتها.
وبالتوازي مع هذا الجهد المصري، تجد حماس أمام استحقاق جديد، يتعلق بمدى قبولها بالمبادرة المصرية، التي عرضتها المخابرات المصرية، المعنية بالملف بالتعاون مع مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف، واللذان يسعيان للتوصل إلى تسوية تنهي الحصار على قطاع غزة، والتي تحقق مصالح الأطراف الثلاثة، الفلسطيني الذي سينهي مسألة الحصار المفروض على القطاع بنتائجه الكارثية، والأرقام والإحصائيات خير دليل، ووفقاً لتقارير أوروبية فإن 40% من سكان قطاع غزة -البالغ عددهم نحو مليوني نسمة- يقعون تحت خط الفقر، في حين يتلقى 80% منهم مساعدات إغاثية نتيجة الحصار، كما أنّ القطاع يشهد أعلى معدل للبطالة في العالم، وتصل إلى أكثر من 43%، كما تدهورت مرافق الخدمات الأساسية، مثل تنقية المياه والكهرباء، كما أن إسرائيل هي الأخرى مستفيدة من الصفقة، بالإضافة إلى حالة الهدوء على صعيد المواجهات مع قطاع غزة، مما سيسمح لها بالتفرغ لأزمتها مع إيران، والوضع في سوريا، فإن بنود الصفقة تتناول عملية تبادل الأسرى، ومعرفة مصير جنودها الذين تحتجزهم المقاومة الفلسطينية منذ عدوان ٢٠١٤ على غزة، أما القاهرة فإن إتمام الاتفاق يصب في مصلحتها، لتأمين الجبهة الشمالية من صحراء سيناء.
الملفان ما زالا قيد التشاور، لم يتم حسمهما، حماس تتشاور مع كل الفصائل بشأن القرار النهائي من صفقة التهدئة، والتي تتحفظ عليها حركة فتح حتى الآن، كما أن إسرائيل ما زالت تناور باتجاه تحسين بنودها لتحقق أقصى استفادة ممكنة.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.