جانبان للاستثنائية الأميركية (2-2)

جوزيف ناي

الجمعة، 14 سبتمبر 2018 05:12 ص

يرى الأميركيون غالباً أن بلادهم استثنائية. ومؤخراً، وصف باراك أوباما نفسه بأنه نصير قوي للاستثنائية الأميركية. وهناك أسباب تحليلية سليمة تدعم الاعتقاد بأنه إذا امتنع الاقتصاد الأكبر على الإطلاق عن حمل لواء المبادرة في توفير المنافع العامة العالمية، فإن الإنتاج من مثل هذه المنافع -التي يمكن أن يستفيد منها الجميع- سوف يظل منقوصاً. وهذا هو أحد مصادر الاستثنائية الأميركية.
الواقع أن الحجم الاقتصادي يجعل الولايات المتحدة مختلفة، لكن محللين -من أمثال دانييل هـ. ديودني من جامعة جونز هوبكنز، وجيفري دبليو مايزر من جامعة بورتلاند- يزعمون أن السبب الرئيسي وراء اعتبار الولايات المتحدة على نطاق واسع دولة استثنائية، هو طابعها الليبرالي، ورؤيتها الأيديولوجية لطريقة حياة تتمحور حول الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
بطبيعة الحال، منذ البداية لم تكن الأيديولوجية الليبرالية الأميركية خالية من التناقضات الداخلية، مع تكريس العبودية في دستورها. وكان الأميركيون مختلفين دوماً حول كيفية تعزيز القيم الليبرالية في السياسة الخارجية. وعلى حد تعبير ديودني ومايزر:
«من منظور بعض الأميركيين، وخاصة المحافظين الجدد حديثاً الذين أسكرتهم فكرة القوة والاستقامة، تمثّل الاستثنائية الأميركية الضوء الأخضر، والمبرر الشرعي، والعذر الصالح لكل الأغراض لتجاهل القانون الدولي والرأي العام العالمي وغزو دول أخرى وفرض الحكومات... ومن منظور آخرين، تمثّل الاستثنائية الأميركية رمزاً للطموح الدولي الليبرالي إلى عالم جُعل حراً وسلمياً، ليس من خلال التأكيد على القوة والنفوذ بلا ضابط أو رابط، بل من خلال إقامة نظام من القانون الدولي والتنظيم الذي يحمي الحرية في الداخل من خلال ترويض الفوضى الدولية».
في القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة -المحمية بمحيطين، والتي يحدّها جيران أضعف- تركز إلى حد كبير على التوسع باتجاه الغرب، وقد حاولت تجنب التورط في صراعات القوة التي كانت جارية في أوروبا آنذاك. وخلافاً لذلك، كما حذّر آدمز، فإنها «ما كانت لتشعّ بنور الحرية والاستقلال؛ بل كانت لتستبدل بإكليل إمبريالي يلمع في بريق كاذب بشعاع ضبابي من الهيمنة والقوة».
ولكن بحلول القرن العشرين، حلت أميركا محل بريطانيا بوصفها صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، وكان تدخّلها في الحرب العالمية الثانية سبباً في قلب توازن القوى. ومع ذلك، كان العديد من الأميركيين بحلول ثلاثينيات القرن العشرين يعتقدون أن التدخل في أوروبا كان خطأ كبيراً، فاعتنقوا الانعزالية. وبعد الحرب العالمية الثانية، استخلص الرئيسان فرانكلين روزفلت وهاري ترومان -وغيرهما في مختلف أنحاء العالم- درساً مفاده أن الولايات المتحدة لا تملك ترف التحول إلى الداخل مرة أخرى.
ومعاً، أنشؤوا نظاماً للتحالفات الأمنية، والمؤسسات المتعددة الأطراف، والسياسات الاقتصادية المفتوحة نسبياً، والتي شكلت ما يُسمّى بإكس أميريكانا أو «النظام الدولي الليبرالي». أياً كان المسمى الذي تود إطلاقه على هذه الترتيبات، فعلى مدار سبعين عاماً، كانت السياسة الخارجية الأميركية تدافع عنها. واليوم، أصبحت موضع شك بسبب صعود قوى مثل الصين وموجة جديدة من الشعبوية داخل ديمقراطيات العالم، والتي استغلها ترمب في عام 2016 عندما أصبح أول مرشح لحزب سياسي أميركي كبير يشكك في النظام الدولي لفترة ما بعد 1945.
السؤال الذي ينتظر الرئيس المقبل بعد ترمب هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على التعامل بنجاح مع الجانبين المكونين لدورها الاستثنائي. فهل يتمكن الرئيس
المقبل من الترويج للقيم الديمقراطية دون تدخّل وحملات عسكرية، وفي الوقت نفسه يتولى مركزاً قيادياً غير مهيمن في إنشاء وصيانة المؤسسات اللازمة لعالم قوامه الاعتماد المتبادل؟

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.