أسئلة النهضة والخروج من المأزق الراهن (2-3)

د. محمد عياش الكبيسي

الثلاثاء، 06 نوفمبر 2018 01:04 ص

من أين يبدأ الإصلاح؟ من القمة نزولاً نحو القاعدة؟ أم من القاعدة صعوداً نحو القمة؟ هذا هو السؤال الثاني من أسئلة النهضة، وهو سؤال صعب، والإجابة عنه أصعب، ذلك لأن القمة ليست واحدة، كما أن القاعدة ليست واحدة، والعلاقة بين الطرفين كذلك ليست واحدة.
إن هذا السؤال يفترض بالأساس وجود خلل في القمة والقاعدة، ويفترض أيضاً أن هناك جهة ما تريد إصلاح هذا الخلل، لكنها متحيّرة بمَ تبدأ.
في ضوء هذه الفرضيات، يبدو من المنطق أن تكون البداية بهذه الجهة نفسها، وهنا لا تكفي النوايا الحسنة ولا مجرد الرغبة في الإصلاح، ولا حتى الاستعداد للتضحية، ما لم يستند كل ذلك إلى قراءة الواقع قراءة صحيحة، وتحديد الأهداف في ضوء هذه القراءة، ثم تحديد الوسائل المناسبة لهذه الأهداف، ثم الإعداد العلمي والتربوي الذي يتمثل هذا المشروع بمبادئه وقيمه وأهدافه ووسائله، وهذا هو الخطاب القرآني «عليكم أنفسكم»، و»قل هو من عند أنفسكم»، الذي يؤكد أن هذه هي البداية الصحيحة، بالمعنى الإيجابي للاعتناء بالنفس، وليس بالمعنى السلبي الانعزالي.
لقد أتيحت للدعوات الإصلاحية المعاصرة فرص كبيرة على مستوى القمة وعلى مستوى القاعدة، لكن النتائج في الأغلب كانت مختلفة ومحبطة، ففي السودان مثلاً ومصر وأفغانستان وصل دعاة الإصلاح إلى قمة الهرم، أما في الجزائر فقد اكتسحوا القاعدة الجماهيرية اكتساحاً شبه كامل بنسبة 88 %، والثورة السورية كذلك، أما اليمنيون فقد أتيحت لهم الفرصتان معاً، كسبوا القاعدة الجماهيرية العريضة، واشتركوا في قيادة البلاد عقب إعلان الوحدة بين اليمنين الشمالي والجنوبي، وهناك حالات أخرى كان الظن فيها أن الإصلاح لا يواجه إلا استبداد الحاكم، وأنه فور سقوطه ستفتح أبواب الجنان، هكذا كان التصور في العراق وليبيا، فلما سقط صدام ثم القذافي كان كأنما فتحت أبواب الجحيم، فالسقوط أوجد حالة من الفراغ الكبير، وقد ملأ هذا الفراغ أصحاب المشاريع الجاهزة من القوى المحلية أو الأجنبية.
من المفارقات هنا، أن الحركات التي دعت إلى إصلاح القاعدة الجماهيرية أولاً «الفرد والأسرة والمجتمع» مثل جماعة الإخوان، كانت أقدر على الوصول إلى القمة من حزب التحرير مثلاً، الذي تبنى النظرية المعاكسة، وعمل على التغيير الرأسي، وسفه بقسوة كل مشروع لا يبدأ بالرؤوس! هذا يؤكد أن هناك فجوة كبيرة بين المبادئ النظرية، وبين الواقع الذي تتحكم فيه قوى أخرى وأولويات قد تكون مختلفة تماماً، ولذلك فإن حجر الزاوية في الإجابة عن هذا السؤال إنما هو معرفة الواقع، وليس النظريات والتصورات المسبقة.
إن استهداف الخلل أينما وجد -في القمة أو القاعدة- هو واجب المصلحين، وهناك من المصلحين من هو أقدر على مخاطبة القمة، ومنهم من هو أقدر على مخاطبة القاعدة، فلا أرى وجهاً للتعارض، لكن إصلاح القمة -لو تيسر- فهو لا شك سيختصر كثيراً من الجهد والوقت، هذا إذا كنا نتحدث عن الإصلاح، أما إذا كان الحديث عن التغيير، فهذه هي الساحة الأخطر التي تتطلب وعياً استثنائياً، وتلاحماً شعبياً، وعلاقات متوازنة إقليمياً ودولياً، وإلا كانت منزلقاً للعبث والفوضى، وفي التاريخ القريب عبرة.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.