التربية في حياة الأمم

د. عبد الرحمن الحرمي

الثلاثاء، 06 نوفمبر 2018 01:57 ص

أراد فردريك -المصلح الروسي- أن يصل بأمته إلى أوج العظمة، فوجد أن أقرب الوسائل لذلك إصلاح التربية بإصلاح أهم وسائلها وهي المدارس، فأصدر قوانينه التي تجعل من العملية التعليمية نفسها منهجاً تربوياً، يتربى عليه الفرد ليكون ابناً باراً وفاعلاً للدولة والوطن والأمة.
ونحن اليوم كأمة تريد أن تتربع على عرش الخيرية والعظمة العالمية، فقبل التربع على العرش هناك خطوات مهمة يجب أن نقوم بها، ألا وهي: إعداد المنهج أولاً، وتطبيقه ثانياً، والصبر عليه ثالثاً، وهكذا ربّى محمد -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالمنهج النبوي، ثم صبر عليهم حتى تحولوا من رعاة الغنم إلى رعاة الأمم، وقادة الفكر وصناعة القيم، بل وإعادة بناء الإنسان من جديد، إن هذا الأمر في غاية الصعوبة، وليس بالأمر اليسير ولا بديل لنا عنه، إن التربية في حياة الأمم تعني الحياة! وإن الأمة التي لا تضع لنفسها خطوطاً حمراء في قانونها التربوي تُعتبر أمة فاشلة مهزومة، وما ينطبق على الأمة -كما هو معروف- ينطبق كذلك على الأسرة، فأية أسرة تعيش اليوم في هذا الواقع وليس لها خطوط حمراء تقف عندها، وتحاسب أفرادها إذا تجاوزوها، تُعتبر أسرة فاشلة تعيش في ضياع أوجده الفراغ الفكري والروحي، وكذلك الفرد الذي لا يحكمه قانون في الحياة، فهو يسير بقانون الفشل المحقق.
إن التربية هي الاستثمار الحقيقي لأية أمة، وهي الوقاية والحصن المنيع من كثير من الأمراض الفكرية وحتى العضوية، وما أبعد نظرة ذلك الطبيب الذي ترك الطب واشتغل بأمور التربية ومعالجة مسائلها، وعندما سُئل عن ذلك القرار كان جوابه: «وجدت بالاستقراء الدقيق أن معظم أسباب العلل الإنسانية الجسمية والنفسية يرجع إلى نقص في التربية، فآثرت أن أستأصل الداء من جذوره باستئصال سببه الأول، على أن أقضي الوقت في علاج ما ينجم عن هذا السبب -الوقاية خير من العلاج- ولا أشك أنني بذلك أقوم بخدمة أعظم للإنسانية جمعاء».
ونحن عندما نتكلم عن التربية، فإننا نختلف بهذا المفهوم عن غيرنا، فنحن نقصد بالتربية تربية الروح والعقل والجسـد: «إن لبدنك عليك حقاً»، وكذلك تربية الغرائز وتهذيب الشهوات: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، تربية الذوق: «سمّ الله وكُل بيمينك وكُل مما يليك»، تربية الانتماء للوطن والدين: «واللهِ إنك لأحبّ أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت»، وأخيراً، علينا أن نستشعر أن المسؤولية الملقاة على عاتق المربين عظيمة وجسيمة، إذ إنه على أيديهم تتشكل الأمة وترسم حياتها المستقبلية، وهم الذين يصنعون البيئة التي تنمو فيها القيم وتنتشر.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.