حال قطر ومأساة دول الحصار بين خطابين لصاحب السمو

كلمة العرب

الأربعاء، 07 نوفمبر 2018 01:30 ص

بين خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، خلال افتتاح دور الانعقاد العادي السادس والأربعين لمجلس الشورى في 14 نوفمبر 2017، وبين خطاب سموّه أمس خلال افتتاح دور الانعقاد العادي السابع والأربعين للمجلس؛ جرت في نهر المنطقة والعالم مياه كثيرة.
خطاب سموّه العام الماضي كان الأول أمام المجلس بعد الحصار الجائر، الذي لم يتوقع عاقل في الخليج أن تصل الأمور إلى هذا الحد بين أبناء «البيت الواحد».. في ذلك الخطاب وجّه صاحب السمو رسالة واضحة إلى الشعب والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي، وجدّد فيه الموقف القطري الواضح منذ بداية الأزمة الخليجية، وهو الحوار الذي لا يمسّ السيادة واستقلال الدول، وتأكيد سموّه أن الإشارات الواردة تبيّن أن دول الحصار ليست راغبة في الحل.
كانت فضاءات المنطقة وأجواء ما يصدر عن مسؤولي وإعلام دول الأزمة حينذاك، تتوهم أن قطر ستنحني أمام العاصفة، وكانت ثمة رهانات على أن وطننا لن يتحمل تبعات حصارهم وما يقومون به وراء الكواليس من مؤامرات تستهدف في الأساس ثروات بلادنا، وإلحاق الضرر بمعيشة كل من يقيم على هذه الأرض الطيبة؛ لكن بعد عام كامل أصبحت قطر -وفق الأرقام التي لا تكذب، والمعطيات التي يلمسها كل مراقب للأزمة- أقوى وأفضل من النواحي كافة.. وهو ما حرص صاحب السمو على توضيحه في خطابه أمس، والذي جاء -كعادة سموّه- قائماً على الصراحة والواقعية، فأكد أن «حصانة اقتصاد قطر تعززت من الهزات الخارجية، وازداد اعتمادنا على ذاتنا، وترسّخت الروابط مع حلفائنا أكثر مما كانت، وتطورت علاقاتنا مع معظم دول العالم». أما الأهم من هذا كله -وفق تعبير سموّه- فقد «ازداد تمسّك القطريين بأخلاقهم التي عُرفوا بها، وتعمّق وعي شعبنا وإدراكه لحجم منجزات دولته، وأهمية السيادة الوطنية واستقلالية قرارنا السياسي التي تحققت هذه المنجزات في ظلها».
بعد سرد بعض المشاهد والأرقام التي تؤكد تخطي قطر بنجاح كل آثار الحصار الجائر، جدّد صاحب السمو مواقف قطر الثابتة بشأن الأزمة الخليجية، وشدّد على أن استمرار هذه الأزمة كشف عن إخفاق مجلس التعاون الخليجي في تحقيق أهدافه، وأن استقرار الدول الخليجية والعربية لن يتحقق عبر السعي إلى المساس بسيادة الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية، وأن «تردّي الوضع العربي يُفقدنا الحصانة والقدرة على مواجهة تفاقم القضايا المختلفة التي نعاني منها».
ولم تشغل قضايا المنطقة صاحب السمو عن الحديث عن القضايا العربية، امتداداً لحرص سموّه على تسخير إمكانات الدولة وعلاقاتها بعواصم القرار الدولي لخدمة قضايا أمتها، ودعم الشعوب الشقيقة؛ فقال إن قطر ستظل طرفاً فاعلاً وداعماً لجميع الجهود المبذولة لتسوية الخلافات ومواجهة التحديات والمخاطر التي تحيط بالأمتين العربية والإسلامية، وإن القضية الفلسطينية تبقى «في مقدمة أولوياتنا في ظل استمرار التعنّت الإسرائيلي وغياب الإرادة للتوصل إلى سلام شامل وعادل»؛ داعياً إلى وحدة الشعب الفلسطيني وتجاوز الانقسام لمواجهة ما يُحاك ضد القضية الفلسطينية.
وبشأن اليمن، نوّه صاحب السمو بالموقف القطري الثابت تجاه هذا البلد الشقيق بـ «الحرص على استقراره»، ودعوة جميع الأطراف إلى وقف الاقتتال واللجوء إلى الحوار.
وحول سوريا، أكد سموّه الحرص على بقائها «وطناً موحداً»، ودعم جميع الجهود الإقليمية والدولية لإنجاح الحل السياسي، وهو الموقف ذاته من ليبيا؛ حيث تتطلع قطر إلى دفع الحل السياسي هناك، ودعوة «جميع فئات وأطياف الشعب إلى تحقيق الوفاق الوطني وبناء الدولة ومؤسساتها».
وفضلاً عن الخطاب الشامل أمام مجلس الشورى، فقد لخّص صاحب السمو -في تغريدة على حسابه بموقع «تويتر»- المشهد القطري بعد الحصار بعبارة موجزة عميقة المعنى «في جوف كل أزمة فرصة»؛ موضحاً أن «‏منجزاتنا منذ 2017 محل فخر واعتزاز، وهي في جوهرها فاتحة لتحولات نوعية تاريخية في حياة المجتمع القطري؛ بفضلها تعززت علاقاتنا الدولية، وازداد اقتصادنا تنوعاً واكتفاء، واكتشف شعبنا مواطن قوة كامنة وزاد وعيه بأهمية سيادة دولته».
عام مرّ بين خطابين لصاحب السمو أمام مجلس الشورى، وها هي قطر تخطو بثبات في استراتيجيتها لبناء دولة عصرية تحقق العيش الكريم لشعبها، وتبدأ فصلاً تشريعياً جديداً، تمضي فيه مؤسساتنا الدستورية -بحسب ما قال صاحب السمو- في تحمّل مسؤولياتها لتحقيق الغايات التي حددناها لأنفسنا، من تحقيق النمو وحتى مواكبة منجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة، وتشكّل هويتنا وثقافتنا القطرية والعربية والإسلامية على أسس أخلاقية وحضارية سليمة.
وخلال العام نفسه، يعلم القاصي والداني مدى مستنقع الفشل الذي وصلت إليه دول الحصار، وتبديدها ثروات شعوبها في مغامرات ومآسٍ هنا وهناك، وصلت إلى حدّ تحويل أطفال اليمن إلى «هدف عسكري»، والمقرات الدبلوماسية إلى «مسالخ بشرية مروّعة».

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.