ما الذي فعله «جوجل» من أجلنا؟ (1-2)

يانيس فاروفاكيس

الأربعاء، 07 نوفمبر 2018 01:52 ص

حتى أشد منتقدي «جوجل» يستخدمون تكنولوجياته لإعداد خطبهم النارية ضده، أو بشكل أدق، للعثور على طرق مناسبة في مدينة أجنبية، لنكن صادقين: ستكون الحياة بدون استخدام «جوجل» أكثر صعوبة لأسباب متنوعة، ولكن هذا ليس سبباً وجيهاً للتخلي عن شركة «جوجل» وعمالقة التكنولوجيا الآخرين، بل على العكس، فإن طبيعة مساهمتهم وأهميتها تجعل خضوعهم للسيطرة الديمقراطية أمراً حتمياً، وليس فقط بسبب الحاجة المعترف بها لحماية سرية الحياة الشخصية.
في السنوات الأخيرة، خضعت شركات التكنولوجيا الكبرى للفحص الدقيق لإتقان فن مظلم تحت قيادة الصحف التجارية والإذاعة والتلفزيون، فهي تجتذب اهتمامنا وتبيعه للمعلنين الذين يدفعون المال، في حين كان القراء والمستمعون والمشاهدون هم العملاء الذين يدفعون مقابل منتج معين، تعلمت وسائل الإعلام الإلكترونية التجارية كيفية تحقيق الربح من خلال الدخول في معاملات مباشرة مع المعلنين، وتحويلنا –وبياناتنا- إلى منتج سلبي في قلب الصفقة.
بفضل قدرتهم الهائلة على تخصيص شاشاتنا، تمكنت «جوجل» و«فيس بوك» وشركات أخرى من نقل هذه العملية الإنتاجية الغريبة إلى مستوى جديد، حيث يتحول اهتمامنا إلى منتج قابل للتداول، على عكس أسلافهم، فهم قادرون على لفت انتباه كل واحد منا عن طريق جذب أدوات مختارة لشخص -أو مزاج- معين، ومن ثم بيعها إلى أعلى مزايد للوصول إلى بياناتنا واهتمامنا.
لقد كان الدافع وراء رد الفعل العنيف ضد شركات التكنولوجيا الكبرى، هو شعورنا بأننا أصبحنا مستخدَمين، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كنا نشعر بالاستياء عندما كانت القنوات التجارية تُرغمنا على مشاهدة الإعلانات قبل ثوانٍ من نهاية أحد الأفلام المثيرة أو مباراة لكرة السلة، والآن، لم يعُد بإمكاننا حتى التعرف على الحيل المستخدمة في الوقت الحقيقي للاحتفاظ باهتمامنا وبيعه، لقد أصبحنا مستعبَدين من السوق الذي نتاجر به، نفكر فقط في عملية الإنتاج، حيث يُسمح لنا بأن نكون منتجاً فقط.
تهدف قواعد حماية البيانات والخصوصية إلى إعادة استقلالنا المفقود فيما يتعلق بما نراه، وما يوجّه خياراتنا، ومن يعرف ما نختاره، لكن تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى وحده لا يكفي لحماية بياناتنا واستعادة «سيادة المستهلك»، على خلفية الأتمتة وخفض العمالة، تساهم الأرباح الاحتكارية لهذه الشركات في زيادة عدم المساواة، وتزيد من الشعور بالاستياء، وتقوّض الطلب الكلي على السلع والخدمات، وتزيد من زعزعة استقرار الرأسمالية. تكمن المشكلة في كون التدخلات الحكومية التقليدية ممارسة غير مجدية، إن فرض الضرائب على الخدمات المجانية لن يحل المشكلة، ومن المستحيل فرض الضرائب على الروبوتات لتمويل التكاليف البشرية، لأنه من المستحيل إعطاؤها تعريفاً دقيقاً، وعلى الرغم من أهمية الضرائب على أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى، فإن المحاسبين ذوي الخبرة لهذه الشركات، والفرص الوفيرة لتحويل الأرباح إلى اختصاصات قضائية مختلفة، يجعل هذا الأمر صعباً. إذا نظرنا إلى أبعد من الضرائب، يمكننا أن نجد حلاً بسيطاً، ولكن عليك أن تدرك أن رأس المال لم يعد يتم إنتاجه بشكل خاص، على الأقل ليس في حالة شركة «جوجل» والشركات المماثلة.
عندما أنشأ جيمس واط أحد محركاته البخارية الشهيرة، كان اختراعه هو مُنتجه، يمكن للمشتري الذي وضع المحرك للعمل -على سبيل المثال في مصنع للنسيج- أن ينظر إلى الأرباح ببساطة كمكافأة على المخاطرة عند شراء هذا الجهاز، وابتكار اقترانها بجهاز غزل أو نول ميكانيكي.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.