في انتظار قانون متوازن

أسامة عجاج

الخميس، 06 ديسمبر 2018 03:50 ص

المرة الوحيدة والنادرة، خلال السنوات الأربعة الماضية، التي شهدنا فيه خلافاً بين الحكومة المصرية ومجلس النواب المصري، كانت عند إقرار القانون رقم 70 لسنة 2017 في فبراير من العام الماضي، الخاص بالجمعيات الأهلية، فقد اعتدنا على أنه مجلس بدون أنياب، سابق التجهيز، أعضاؤه مختارون بعناية، ورغم أنهم جاؤا عبر انتخابات، لم نسمع أبداً أن أحد أعضائه تقدم باستجواب للحكومة، أو أنه قام بدوره الرقابي على أعمالها، والمنطق والعقل يقولان إنه ممثل للشعب، حريص على الدفاع عن مصالحه، ومع ذلك راح يتزايد على الحكومة، التي تقدمت بمشروع قانون، إلا أن المجلس رفض مناقشته أو عرضه، وأصر على تمرير مشروعه الخاص به الذي تقدم به الدكتور عبدالهادي القصبي، رئيس لجنة التضامن الاجتماعي بالبرلمان، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قام الرئيس المصري بالتصديق عليه في مايو من العام الماضي، وبقيت اللائحة التنفيذية له حتى يبدأ سريانه، وقد اعتبر مجلس النواب إقرار القانون انتصاراً كبيراً، وقال النائب علاء عابد رئيس لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان، لقد تم إغلاق «حنفية» التمويل الأجنبي الموجه للمنظمات المشبوهة التي تحاول هدم البلد بتقارير غير حقيقية ومضللة، فهناك منظمات حصلت على أموال طائلة لضرب مؤسسات البلد من الداخل.
وعلى نطاق واسع، اعتبر القانون جزءاً من الصراع بين النظام ومؤسسات العمل المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان، والتي تمثل نسبة ضئيلة من مجموع أكثر من 46 ألف منظمة أهلية، وفقاً للأرقام الرسمية، أما باقي المنظمات فتعمل في مجالات الصحة، والتعليم، والخدمات المجتمعية. فقد بدأت المواجهة في زمن تولي المجلس العسكري تسيير الأمور في مصر بعد ثورة يناير ٢٠١١، وقد وجهت أول ضربة لهذا القطاع، بتحريك قضية عرفت حينها باسم قضية التمويل الأجنبي، حيث اتهمت النيابة 43 ناشطاً من بينهم 19 أميركياً -تم الإفراج عنهم- بتأسيس وإدارة فروع لمنظمات دولية بدون ترخيص، وتسلم وقبول تمويل أجنبي من الخارج، بما يخل بسيادة الدولة المصرية، وتشمل قائمة المنظمات المتهمة في القضية المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد الديمقراطي الدولي، ومؤسسة فريدوم هاوس، والمركز الدولي الأميركي للصحافيين، ومؤسسة كونراد أديناور الألمانية. وتم حظر سفر ما لا يقل عن ٣٠ من موظفي ومديري المنظمات غير المحلية المعنية بحقوق الإنسان، وتم تجميد أصول سبع جمعيات أهلية و10 أفراد، كما أمرت السلطات بإغلاق مركز النديم الشهير لإعادة تأهيل ضحايا العنف والتعذيب.
وقد فوجئ النظام المصري بحجم المعارضة الشديد للقانون داخلياً وخارجياً، من منظمات حقوق الإنسان، وبرزت أهم صور الاحتجاج على القانون، من أعضاء بارزين من الكونجرس الأميركي، حيث وصف السيناتورين جون ماكين وليندزي غراهام القانون بأنه «تشريع جائر»، وقالا إن الكونجرس الأميركي يجب أن يرد «بتشديد المعايير الديمقراطية وشروط حقوق الإنسان الخاصة بالمعونة الأميركية لمصر». وأرسل السيناتور الجمهوري ماركو روبيو وتسعة أعضاء آخرين في مجلس الشيوخ رسالة إلى ترمب دعوه فيها إلى الضغط على الرئيس المصري السيسي في هذا الشأن، وقال الخطاب: «سيضع الكونجرس الأميركي تصرفات الحكومة المصرية مؤخراً في الاعتبار، بينما نراجع معونتنا لمصر لضمان استخدام أموال ضرائب الشعب الأميركي على نحو ملائم». بل بدأ مسؤولون أميركيون في البحث في قطع جزء من المعونة الأميركية عن مصر، احتجاجاً على إقرار القانون.
ويبدو أن الضغوط قد أثمرت، عندما وعد الرئيس السيسي في مؤتمر الشباب الأخير، بالبحث في قانون جديد وصفه بأنه سيكون متوازناً، وقال السيسي: «القانون الحالي كان فيه «فوبيا»، وتخوف على مصر من المنظمات». وتابع السيسي «أنا عايز أطمن اللي بيسمعني داخل مصر وخارجها على أن إحنا في مصر حريصين أن القانون يبقى متوازن، ويحقق المطلوب منه في تنظيم العمل للجمعيات بشكل جيد»، وتحركت بعدها الحكومة المصرية، حيث قررت تشكيل لجنة لتعديل القانون، وستعمل اللجنة المشكلة من وزارات التضامن الاجتماعي، والخارجية، والعدل، على إقامة حوار مجتمعي حول هذا القانون.
ونحن والمجتمع المدني وجهات خارجية عديدة، في انتظار هذا القانون، الذي نتمناه كما وعد الرئيس المصري متوازناً.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.