يسار الوسط والعولمة (2-2)

كمال درويش

الأربعاء، 09 يناير 2019 02:00 ص

المشكلة هي أن ماكرون تخلى عن جمهوره الانتخابي الأساسي من يسار الوسط في ملاحقته للإصلاحات، وخطوة تلو الأخرى، بدا الأمر وكأن إصلاحاته تعود بالفائدة بشكل ثابت على الأغنياء، وعلى هذا فعندما أُعلِن أن حكومته تعتزم زيادة الضريبة على وقود الديزل، نزل مستخدمو وسائل النقل العام من الطبقتين المتوسطة والعاملة إلى الشوارع، ومع استطلاعات الرأي التي أظهرت أن نحو 70 % من الفرنسيين يؤيدون المحتجين المنتمين إلى حركة السترات الصفراء، اضطر ماكرون إلى التراجع.
تُرى هل كان هناك بديل ناضج أقرب إلى يسار الوسط ربما يتبناه ماكرون بدلاً من ذلك؟ الإجابة القصيرة هي كلا. الواقع أن الإصلاحيين المعنيين في المقام الأول بالتفاوت في الدخل والثروة، والاستدامة البيئية، والديمقراطية، ما انفكوا يحاولون التعرف على الهيئة التي ينبغي أن يكون عليها نهج يسار الوسط في التعامل مع العولمة، وعلى النقيض من الـ «نيوليبرالية»، التي تتسم بوضوح وصفاتها السياسية، لا بد أن يقدم نهج يسار الوسط عقداً اجتماعياً جديداً بالكامل لمعالجة آثار الارتباك الناجم عن التكنولوجيات الجديدة، وتعمق العولمة، وتغير المناخ.
الأمرالأكثر أهمية، أن اليسار لا بد أن يفهم أنه لن يتمكن من كسب هذه المعركة بالتركيز على صنع السياسات المحلية وحدها، فالإبداعات التكنولوجية والشبكات العالمية التي يسهل انتشارها، من غير الممكن عكس اتجاهها أو تفكيكها، في أفضل الأحوال ربما يمكن العمل على إبطائها، لكن أولئك الذين يقاومون التغيير سوف تنتهي بهم الحال إلى خسارة القدرة التنافسية في اقتصاد المستقبل، وعلى هذا فإن الاختيار الحقيقي الوحيد هو المضي قدماً إلى الأمام، ولكن أيضاً في ظل إصلاحات الرعاية الاجتماعية اللازمة لحماية كل مواطن وتعويض الخاسرين، لا بد أيضاً من إتاحة الموارد الكافية لتسهيل التعلم واتخاذ مهن جديدة.
غني عن القول، إن عقداً اجتماعياً جديداً ينتمي إلى يسار الوسط سوف يتطلب موارد عامة كبيرة، فضلاً عن ضرورة نشره بحكمة، من قِبَل حكومات محلية غالباً، من ناحية أخرى، سوف تضطر الحكومات إلى التعاون من أجل منع الابتزاز الدولي في هيئة تحكيم ضريبي وتنظيمي، الحق أن العولمة غير المنظمة تشجع رأس المال وأصحاب الدخول المرتفعة على التدفق إلى المناطق حيث الضرائب منخفضة، مما يحرم الحكومات من الإيرادات اللازمة للحفاظ على أنظمة الضمان الاجتماعي، وما يدعو إلى التفاؤل أن مجموعة العشرين بدأت تدرك هذه الحقيقة بوصفها مشكلة، لكن الطريق لا يزال طويلاً للتوصل إلى تكييف الأنظمة الضريبية، والرعاية الصحية، والتعليم مع اقتصاد عالمي حيث تعمل شركات التكنولوجيا العملاقة على تطوير أشكال جديدة للسلطة الاحتكارية.
إن العالم يمر بثورة تكنولوجية يمكنها أن تفيد الناس جميعاً، لكن قسماً كبيراً من الأمر يتوقف على توفر الزعامة اللازمة لإدارة الارتباكات والانقطاعات المقبلة، والبديل هو المجازفة بالانزلاق إلى نسخ مستحدثة من الكوارث السياسية والحروب العالمية من زمن القرن العشرين، وفي كلتا الحالتين، يُعَد ماكرون هو الرائد، لأن ما يحدث في فرنسا لن يبقى في فرنسا.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.