الحلول المشبوهة!

سحر ناصر

الخميس، 10 يناير 2019 02:17 ص

«نخشى أن يكون هذا الإصرار على إبقاء النازحين في لبنان، بالرغم من تأكيدنا مراراً وتكراراً في المحافل الدولية وأمام كل البعثات الدبلوماسية الضرر الذي يُلحقه ذلك بوطننا على مختلف الصعد، خصوصاً الاقتصاد والأمن، وشرحنا الأسباب الموجبة لرفضه. نخشى أن يكون ذلك الإصرار مخططاً لتهجير من أمكن من اللبنانيين تسهيلاً للحلول الغامضة والمشبوهة التي تلوح في الأفق. وهنا نسأل: هل قُدّر للبنان أن يدفع أيضاً أثمان الحلول والسلام في المنطقة، كما سبق له ودفع أثمان حروبها؟».
ما ورد أعلاه هو جزء من كلمة الرئيس اللبناني ميشال عون، التي ألقاها أمام ممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى لبنان، قائلاً إن «لبنان بلد هجرة وليس بلد استيطان، ولا هو سوق مفتوحة للعمل، وأبناؤه المنتشرون في كل أصقاع الأرض هاجروا بحثاً عن فرص أفضل».
من يقرأ كلمة الرئيس اللبناني يشعر بوجع في القلب وضيق في الصدر، خصوصاً إذا كان لبنانياً مقيماً خارج الوطن أو مغترباً، أو مقيماً في لبنان ولكن لم يحالفه الحظ بالانضمام إلى جهة سياسية أو دينية مسيسة. فما قاله الرئيس اللبناني يبعث على الحزن لأن فيه الكثير من الحقائق، وإن لم تكن الحقيقة بأكملها، التي أخفت وراءها كابوساً ثقيلاً تم تدريسه لنا في كتب التاريخ والجغرافيا على أنه حُلم وميزة تنافسية؛ إذ عُلّمنا في مدارسنا أن لبنان يشتهر بهجرة الأدمغة، وأن اللامعين والعباقرة والمبدعين هم أولئك الذين تمكّنوا من الحصول على تأشيرة الهجرة، في رسالة تعليمية موثّقة منذ الصغر تفيد بأنه إذا أردنا الإبداع والنجاح فعلينا بالهجرة، وإذا لم نهاجر كُتب علينا الشقاء كما كُتب على الذين من قبلنا.
هذا الواقع الذي طرحه الرئيس اللبناني أمام ممثلي الدول يؤكد أن لبنان أشبه بـ «حلبة مصارعة»، يجتمع فيها المقاتلون الذين تأهلوا للنهائيات بعد خوض جولات من النزاع في المنطقة، ويتخذون منه حلبة للقتال.. ولمَ لا تكون الحلبة في بلادنا؟ ومن يدير شؤون السلطة السياسية مجرمو حرب تمكنّوا بدورهم من الوصول للنهائيات، بعد الاتفاق على آلاف الجثث خلال 15 عاماً؛ فهؤلاء وضعوا حداً للدماء، ليس لأنهم تعبوا أو أشفقوا على شعبهم، بل لأن الدول المعنية حققت الغرض المطلوب من هذه الحرب، ودفنت لبنان في زمن ما بعد الحرب لفترة كافية، كي تنهض دول عربية أخرى على حسابه، وغيرها من الحسابات الدولية.
لمَ لا تكون حلبة مصارعة؟ ولماذا لا ندفع ثمن نزاعات غيرنا؟ لماذا لا نُقتل ولا نُهجّر من أجل أن يحيا غيرنا؟ فنحن شعب نعشق الترفيه، والمتصارعون يعشقوننا أيضاً. نحن شعب بارعٌ في التصفيق والصياح والتهليل وابتكار كل وسائل التسلية والترفيه المغموسة بالدم، وفرز المقاتلين حسب الألوان؛ فمنّا من يشجع الأزرق، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر... نحن من يُسلّي المقاتلين في مسرحيات وطنية وأغانٍ وطنية وأناشيد دينية.. عناوين صحفنا مدوّية، وسهراتنا وردية. نحنُ من يُفضّل الموت على العيش من أجل القضية!
فخامة الرئيس، نحن شعب لا يخشى الحلول المشبوهة.
قلوبنا وبيوتنا مفتوحة للنازحين واللاجئين.
أما للمقاتلين، فقبورهم مفتوحة تنتظرهم إذا اقتربوا من الحلبة.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.