‏‫العيش في الماضي.. السادات التاريخ المراوغ (2-2)

أسامة عجاج

الخميس، 10 يناير 2019 02:17 ص

التاريخ يكتبه المنتصرون، ولكنها تصبح رواية مزورة، وفي كل الأحوال منقوصة، والتاريخ الحقيقي تتم كتابته بعد رحيل أجيال استفادت من الأنظمة أو اختلفت معها، ولكن الاحتفال المثير للدهشة في مصر بمرور ١٠٠ عام على ميلاد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والذي بدأ من الكونجرس الأميركي والإدارة الأميركية، وانتقل بعدها إلى مصر، عبر إشادة الرئيس السيسي وحفاوة الإعلام المصري بالمناسبة، حيث تم استثمارها للعودة من جديد للعيش بالشعب المصري في الماضي، في ظل مخطط متواصل لإلهائه عن مأساة حاضره.
وحقيقة الأمر أن هناك تبايناً شديداً في النظر إلى السنوات الـ ١١ التي قضاها السادات في الحكم، رغم قصرها بالنسبة إلى الـ٣٠ عاماً مدة سلفه مبارك، فهناك تيار يرفع من شأن السادات، يواجهه تيار آخر لا يجد نقيصة إلا ويصف بها الرجل، هي بالفعل فترة تاريخية «مراوغة» فيها كثير من المتناقضات التي تساعد كل طرف على التمسّك بموقفه، فأنصاره يتعاملون معه على أنه بطل الحرب «أكتوبر ١٩٧٣»، والسلام «اتفاقية كامب ديفيد». ومعارضوه يعتبرونه أكبر مفرط في الحقوق المصرية، وهي كلمة مخففة للفظ «الخيانة» التي لا أحبذ على الإطلاق استخدامها، وعلى سبيل المثال:
بدأ عهده بفتح السجون، والإفراج عن المعتقلين، وحرق شرائط المراقبة، وانتهى باعتقالات سبتمبر ١٩٨١، حيث شملت قوائم المعتقلين كل ألوان الطيف السياسي، ومنهم فؤاد سراج الدين زعيم حزب الوفد، ومحمد حسنين هيكل أحد أهم حلفائه في الصراع على السلطة في مايو ١٩٧١، وعمر التلمساني المرشد العام لجماعة الإخوان، رغم أن السادات كان هو من أفرج عنه مع قيادات الجماعة، وسمح لهم بالعمل تحت رقابة أمنية، واستثمر ذلك في القضاء على تنامي التيار الناصري واليساري، وكانت تلك الاعتقالات «المسمار الأخير في نعشه»، وأدت إلى حادث المنصة حيث لقي حتفه، وتم اغتياله على يد مجموعة من تنظيم الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية.
هو أول من أطلق كلمة «ثورة» على صراع سياسي بين مجموعات في قمة السلطة، كما حدث في ١٥ مايو ١٩٧١، وتخلص من كل رجال عبدالناصر، ورغم حرصه في سنوات ما قبل ١٩٧٣ على أنه يسير على خط الزعيم ناصر، ومع ذلك فقد حول التوجه الاقتصادي في زمن عبدالناصر من الاقتصاد الاشتراكي، ومسؤولية الدولة عن كل مكونات الإنتاج، إلى الالتزام بوصفة البنك وصندوق النقد والاقتصاد الحر، وانفتاح بدون أي ضوابط، أطلق عليه الكاتب الراحل الشهير أحمد بهاء الدين «انفتاح السداح مداح»، في ظل غياب الدولة، وترك مقدراتها الاقتصادية لمجموعة، من ممن أطلق عليهم رجال أعمال، فشهدت مصر ظاهرة «القطط السمان».

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.