لسنا مثلهم.. امنحونا فرصة جديدة

عادل إبراهيم حمد

السبت، 12 يناير 2019 01:33 ص

أغلب تجارب الحكم في العالم لا تجد إجماع الناس، لكن الجديد هو أن دلائل الفشل التي اعترت بعض التجارب الإسلامية في الحكم قد أكدت أن مظاهر التدين في الحاكم -ولو كان صادقاً- لا تعفي الحاكم أو حزبه من المراقبة والمراجعة والمحاسبة، بزعم أن الوازع الديني يكفي لتقديم تجربة حكم راشدة.
لقد ثبت بالتجربة خطأ وخطر هذا الادعاء، فالوازع وحده لا يكفي لأن انعدام الرقابة والمحاسبة يفتح الباب أمام التراخي في الأداء وإلى الفساد، ويفتح الباب لتبرير التضييق على كل رافض لخط النظام، بعد أن يطابق النظام المتدين بين خطه السياسي والحق المطلق.
توافق جماعات إسلامية على كل نقد يوجه للتجربة الحالية، لكنها تطلب فرصة لتقديم تجربة جديدة بزعم قدرتها على تقديم صورة ناصعة للدولة الإسلامية، فشل حكام اليوم في تقديمها. وهو مطلب يحتاج لتوضيحات ضرورية أهمها أن يوضح طالبو الفرصة الجديدة إن كانت تجربتهم محاطة بقداسة أم لا، لأن التقديس (يحمي) التجربة الجديدة من المراقبة والمساءلة، ويجعل من المعارضين خونة ومارقين، وبذلك سوف نعيش مرة أخرى تجربة جديدة من الاستبداد. أما إذا أكد طالبو الفرصة الجديدة أن تجربتهم غير مقدسة، ولو سميت إسلامية، فليعتبروها تجربة سياسية بشرية بلا حاجة لإقحام الدين في شأن غير ديني.
الادعاء بالقدرة على تقديم تجربة لدولة إسلامية صحيحة لم تبدأ مع تجربة الإنقاذ، ولم تستأنف بواسطة من رأى فشل تجربة الإنقاذ، حسب رأيه، فطرح نفسه بديلاً مؤهلاً لتقديم الإسلام الصحيح.. هي محاولة عمرها طويل حيث تصدى للأمر منذ زمان بعيد كل من عايش أو قرأ عن تشوهات وخطايا لحقت بتجربة المسلمين في الحكم، فتنبري جماعة للمسألة -دافعها العاطفة الدينية- ولسان حالها يقول: لسنا مثلهم، وسوف نقدم الإسلام الصحيح محجة بيضاء، فإذا فشلوا ظهر آخرون يدعون الادعاء ذاته.
الحكاية ذات الحلقات المتصلة تبدأ بقراءة تاريخ المسلمين في الحكم منذ الفتنة الكبرى، فإذا قرأ أحد الداعين للدولة الإسلامية تفاصيل خلافات الفتنة اكتفى بالقول إنه سوف يجنب المسلمين الفتنة، وإذا ما قرأ تاريخ الدولة الأموية المسلمة وما شابها من مظالم قال إننا لسنا مثلهم، وسوف نجعل الأمر شورى بين المسلمين. فإذا قرأ عن مثالب في دولة العباسيين الإسلامية، قال لسنا مثلهم وسوف نقدم أنموذجاً ناصعاً. فإذا قرأ عن أخطاء الخلافة العثمانية سارع إلى نفي ما علق بالعثمانيين عن تصورهم الجديد.. وهكذا حتى قال قائلهم: نحن لسنا مثل الإنقاذيين، وسوف نقدم الإسلام النقي!
باختصار: كل ساعٍ لتكوين تنظيم سياسي عليه أن يدرك أن تنظيمه يجب أن يخضع لكل ما تخضع له كل الأحزاب بلا تمييز إيجابي لحامل لافتة الإسلام في حزبه، فما أسهل كتابة اللافتات. كما أن اتفاق كل المسلمين على أن العصمة للنبي وحده -عليه الصلاة والسلام- يعني بوضوح إمكانية وقوع غيره في الأخطاء بل وفي الخطايا، الشيء الذي ينفي تماماً إمكانية تقديم تجربة كاملة لا تقبل النقد، بل والتغيير الشامل، مهما كان حسن نوايا أصحابها.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.