المثقف

زينب المحمود

الأحد، 10 فبراير 2019 01:37 ص

يعرِّفُ الجاحظُ الأدبَ بأنه «الأخذُ من كلِّ فنٍّ بطرَفٍ»، ووفقاً لهذا التعريف فإن الأديب هو الآخذ من كل فن بطرف، ولو أسقطنا هذا الكلامَ على التعريفات المعاصرة للثقافة، لوجدناهُ يطابق مفهومَ المثقفِّ اليومَ، فهو المطلعُ على جوانبَ معرفية مختلفة مع القدرة على تمييز الغثِّ منها من السمينِ.
ومن دون الخوض في لججِ تعريف الثقافة والمثقف، فإن حديثنا سينصبُّ على جملة ثنائياتٍ، يحسُنُ بالمثقفِ أن يتحلّى بها أثناء مواجهته الحياة معلماً ومتعلماً، وهي:

أولاً: الانفتاح والوعي: ومقتضى الانفتاحُ، الإبحارُ في عوالم الثقافة المختلفةِ، ونزعِ نظارة الانغلاقِ. ومقتضى الوعي أن يمتلك المثقفُّ مصفاة خاصّة بالأفكارِ؛ حتى لا ينبهر بما ظاهرُه النضجُ، وباطنُه التهافتُ.

ثانياً: التلقي والإنتاج: دواليبُ الثقافة دوّارةٌ، وعجلاتُها متحركةٌ، وسماؤُها تمورُ بالجديدِ المفيدِ، فعلى المثقف أن يجمعَ بين خاصيّتي التلقي والاطلاع، فيصغي إلى تجاربِ التاريخِ والثقافة والنظريات العلميةِ، ثمّ عليه أن يطوِّرَ ويفكِّر ويقدِّرَ ويعيدَ الإنتاجَ، ولا يكون صدى الماضين الذين سبقوه بعلمٍ أو فنٍ فحسب. وعلى المثقف أن ينتقدَ ويتساءلَ ويبحث. فتكون الثقافة لديه أخذاً وعطاءً، وغير ذلك، ستبقى الثقافة عملية تدبير وإعادة لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تساهم أبداً في بناء مجتمعٍ واعٍ منتجٍ.

ثالثاً: التنظير والتطبيق: الثقافة عقلٌ ولكنها مع ذلك فعلٌ وقراءة وأداءٌ، إذ لا يليق بالمثقف أن يجلسَ في كهفٍ بعيدٍ يقلب أوراقَه، ويحصي صفحاته، فتأخذُه العزة بالإثم، ويتعالى على الناس، وإنما يليق به أن يكون منتِج أفكار ومُطبِّق نظريات وقوانين علمية وقيمية وحضارية، جامعاً بين التنظير المؤسِّس، والتطبيق المفضي إلى تجسيدِ الأفكارِ.

فالمثقفُ الحقُّ قائدٌ ينتصب في الساح ليبث الوعي وينشر العلوم التي تنفع الناس، وتنقل المجتمع نقلات ملحوظة نحو الفضيلة والسمو والتقدم، ومن ثم إحقاق الحق والدفاع عنه ونصرته، ورفع الغفيرة ضد الظواهر السلبية. والمثقف الحق راعٍ لحقِّ الثقافةِ، وروحٌ تسري في المجتمعات وتُحكِمَ بنيانَها، لتصنعَ وعيَها وتنتج أجيالها التي تؤمن بقيم الفضيلة، وتنيرَ لها طريق الانسجام والتقدم والوعي.
الثقافة يستحقُّها كلُّ نافذِ بصيرةٍ، وثّابِ عقلِ، قويّ، طموحِ، عميقِ نظرات، سيّالِ قلمِ، يخط معالم الطريق بحروف من نور، ويسخّر ما خلفه العلماء للنهوض بالإنسانية نحو ما يسعدها ويرضيها، ويحقق لها ما ينسجم مع فطرتها.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.