ضربتان في رأس تونس..

فيصل البعطوط

الأحد، 11 فبراير 2018 12:46 ص

في ظرف شهرين، ضرب الاتحاد الأوروبي تونس على رأسها ضربتين .. ضربة أولى يوم 5 -12-2017، عندما أعلن وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي، عن قائمة سوداء تشمل 17 ملاذاً ضريبياً آمناً منها تونس، ما يجعلها مهددة بالحرمان من الحصول على تمويلات من الاتحاد الأوروبي في ظرف اقتصادي دقيق .. ثم ما هما إلا شهران بالكاد، حتى سدد البرلمان الأوروبي في جلسته ليوم الأربعاء 7 يناير 2018 الماضي ضربة ثانية لتونس، بإدراجها ضمن قائمة الدول عالية المخاطر في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مما خلق حالة من الارتعاب لدى المراقبين في الداخل وفي الخارج لمسارها الانتقالي الهش على جميع المستويات.
ولأن القرارين الأوروبيين يحملان طبيعة تقنية وحسابية معقدة -لا يتسع المجال لشرحها- فقد اختلف الفرقاء التونسيون في فهم حيثياتهما، من حكومة تصف القرار «بالمجحف والمتسرع وأحادي الجانب»، إلى معارضة تتهم الحكومة بالتهاون، وتنبّه للتداعيات السلبية جداً للقرار، سواء على صورة تونس في الخارج، أو على معاملاتها مع الهيئات الدولية .. لكن في كل الحالات فقد كان هناك اعتراف حكومي جلي بـ «خلل ما»، اتضح في قرار فوري بإعفاء محافظ البنك المركزي من مهامه فور تلقي الضربة الثانية .. وبسعي حكومي محموم على أثر الضربة الأولى، تُوّج لحسن الحظ بإخراج تونس من القائمة السوداء إلى القائمة الرمادية، مع التزام بمواصلة «السلوك الحسن».
يقول المثل الدارج في بلاد المشرق: «ضربتين في الراس توجع».. وليس هناك أدل منه على الحالة التونسية اليوم .. فقد يكون هناك بالفعل ما يكفي للأوروبيين الجالسين أمام آلاتهم الحاسبة من معطيات تقنية، ومن شروط فنية محاسباتية صارمة، ما يجعل السعي الرسمي لتنظيف السياسة النقدية التونسية غير كافٍ، وما يؤدي لوضعها آلياً على اللائحة السوداء، لكن من كان يستمع قبل أيام قليلة إلى الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، وهو يكيل المديح لـ «النموذج التونسي الرائع» -بحسب تعبيره أثناء زيارته الأخيرة- ومن استمع إلى غيره من قادة أوروبا، لا يحسب أن هذا «النموذج الرائع» سيصبح خلال بضعة أيام محل تشكيك من هياكل الاتحاد الأوروبي، إلا إذا كانت هذه الهياكل تعاني من حَوَل في عينيها -بدليل خلو اللائحة السوداء من اسم ليبيا- وما أدراك ما يحدث في ليبيا، على سبيل المثال لا الحصر، أو أنه «مأزق تسعى جهات كثيرة لإدخال الاقتصاد التونسي تحت دائرته، وضغط إضافي من طرف الاتحاد الأوروبي، لفرض إصلاحات ليبيرالية ولا شعبية»، كما جاء بالحرف في بيان الاتحاد العام التونسي للشغل، أهم قوة أهلية في البلاد!
السياسة لا تدار بالنوايا الطيبة، ناهيك إذا تعلق الأمر بالسياسات الدولية التي تقوم على «المصالح» لتفادي تسميتها بـ «المغانم» .. ولم يعد يهم زعماء الدول الكبرى كثيراً أن يخطئ أسلافهم في حق الدول النامية، فهم ببساطة يعتذرون ليمروا للخطأ الذي يليه، لأنهم يعرفون أكثر من العرب مقولة شاعرهم: «إن الغواني يغرهن الثناء»، وبالتالي فإن مصلحة أو مغنماً آنياً مباشراً لأوروبا قد يكونان وراء الضغط على بلاد مثل تونس، مع براعة في تقسيم الأدوار بين عاقل وسفيه أوروبيين، لكن ما لا تريد القوى الكبرى تعلمه من التاريخ، أن النظرية التي حولت بها العالم إلى قرية صغيرة.. تضع الغني والفقير كما القوي والضعيف، كجارين محاذيين يصل صدى ضرب أحدهما عبر جدار منزلهما المتلاصقين.. ومن ثم، فلا مصلحة لأي منهما أن يضرب الآخر على رأسه، حتى لا ترتد الضربة على قفاه!

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.