بقعة ضوء ما أعظم الأوطان.. الصغيرة

سهلة آل سعد

الثلاثاء، 13 مارس 2018 02:08 ص

ما أعظم الأوطان.. ليس كل الأوطان، وإنما تلك التي تتكئ على جرحها وتمضي..
تلك التي تضم أبناءها تحت جنحها وتحميهم وتعمل لصالحهم.. وتمضي رغم كل شيء.
الأوطان الكبيرة عقلاً، والكبيرة قلباً، والكبيرة قولاً وفعلاً.. لا الكبيرة حجماً خبباً بلا طائل.
لا تُقاس النجاحات ولا الأهمية ولا القوة بالأحجام (لا للبشر ولا للدول ولا لبقية المخلوقات ).. الشاعر حسان بن ثابت شاعر العصر الإسلامي وشاعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم * جسم البغال وأحلام العصافير
المظاهر لا تعكس البواطن دائماً، ولا تغطي عيوب الجواهر، لذا سرعان ما يظهر الحسن والقبح، وتنكشف الحقائق.
ما أعظم الوطن الذي يرعى أبناءه، ويعطيهم، ويحميهم، ويعمل لصالحهم، ويحتويهم.. ما أعظمه أياً كان حجمه، وما أصغر وأبأس الأوطان المرهبة لأبنائها، المعذبة لهم، المنشغلة عن مصالح عامتها بمصالح خاصتها، والمنشغلة عن تعمير نفسها بهدم غيرها.
تحضرني اليوم وأنا أشهد الأحداث الحاضرة، متمثلة في حصار قطر، والماضية، متمثلة فيما كشفته حلقتا قناة الجزيرة في «ما خفي أعظم»، من ضلوع دول حصار الخليج في المحاولة الانقلابية عام 1996، ومحاولات التخريب والتفجير آنذاك.. كلمات قصيدة الشاعر الكبير محمود درويش، والمغناة من مارسيل خليفة (أحمد العربي):
ومن المحيط إلى الخليج
من الخليج إلى المحيط
كانوا يعدون الرماح
وأحمد العربي يصعد كي يرى حيفا
أحمد الآن الرهينة
تركت شوارعها المدينة
وأتت إليه لتقتله
أنا أحمد العربي فليأت الحصار
جسدي هو الأسوار فليأت الحصار
وأنا حدود النار فليأت الحصار
وأنا أحاصركم..
وأنا أحاصركم»
الذين شاركوا في المحاولة الانقلابية عام 1996 من أبناء الوطن لا تثريب عليهم اليوم، فهم أقدموا على ذلك براً بأقسام أقسموها، وجهلاً بحجم وأهداف المخطط الحقيقية آنذاك، أما ما نعلمه ونراه جميعاً اليوم فهو مدى روعة هذا الوطن الذي احتواهم رغم ذلك كله..
يا له من درس..
درس بحجم العمر، فحواه أنه لن يؤويك، ولن يحميك سوى وطنك، وإن عاهدوك وإن أوهموك..
رأينا في الحلقة الثانية من «ما خفي أعظم» كيف وضعت دول الحصار للمشاركين في المحاولة الانقلابية الشمس في كف والقمر في كف، وكيف قدمت لهم الجنسيات والرواتب والسكن والوعود.. ثم كيف سحبت كل ذلك في ثانية، ليجدوا أنفسهم مطاردين منها، ومقبوضاً عليهم، ومسلّمين لبلدهم قطر.. قطر العادلة، وقطر الحانية التي أحسنت وأوت وصفحت.
لا شيء يعادل الوطن متى ما كان رؤوماً حانياً، ولا أرض تؤوي الإنسان وينام فيها قريراً هانئ البال كوطنه، لا بيت كالوطن، ولا أمن كأمنه.. اللهم احفظ قطر من كل مكر وشر، واجعلها آمنة مستقرة، سخاء رخاء أبد الدهر.. آمين.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.