«محمد رحمة الله للعالمين» على صفحات «العرب» خلال الشهر الفضيل متى كان النبي يعبد الله جلّ جلاله؟ الشيخ القرضاوي يجيب..

الدوحة- العرب

السبت، 19 مايو 2018 11:26 م

يتناول فضيلة الشيخ العلّامة يوسف القرضاوي -رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- في كتابه «محمد رحمة الله للعالمين» -والذي تنفرد «العرب» بنشره عبر صفحاتها- حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن سِيرته، ودَعْوته، ومواقفه، وأخلاقه، ورسالته الْفَذّة التي حَمَلَها محمد إلى العالَم الكبير، ليُخْرِجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم إلى صراط العزيز الحميد.
وقد جاء في كتاب فضيلته:
عرفنا أين كان الرسول يعبد ربه، الدنيا كلها كانت مسجده ومعبده، كان يعبد ربه في كل مكان؛ في السوق، وفي المسجد، وحيث ينشغل الناس بالدنيا، أو بالنفس، أو بالمرأة، أو بالولد، أو بالأصدقاء، أو بالمال، أو بما شاءت فصائل الناس من كل ما يشغلهم عن الله، كان هو مع الله تعالى.

يسألون الرسول عن زمن العبادة متى كان؟
ونقول: إن عبادة الرسول كانت في كل وقت: في الليل، وفي النهار، في العشي والإبكار.
حين يأوي الناس إلى فرشهم ليستريحوا من تعب النهار، وعناء الأعمال، ومشاغبات الناس، هناك يبدأ الحبيب محمد رحلته في التعبد مع مولاه، كما قال تعالى منذ أوائل نزول القرآن: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر:1-7]. قال له تعالى: يا أيها المدثر، المتغطي بثيابه يطلب الدفء والطمأنينة، قد سمعت أول ما جاءك من الوحي بالآيات الخمس من سورة العلق: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ]العلق:1] والآية تخاطبك بما يوجب عليك أن تقرأ القرآن على المؤمنين معك، ليعملوا لدينهم مثلما تعمل، وليحملوا الدعوة معك في نفسك ومن حولك {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}.
وأنزل تعالى منذ أوائل الدعوة على محمد: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:1-5] نادى الله تعالى هذا المزَّمِّل، أي المتغطي بثوبيه من البرد، أن يدع التزمل والراحة، ويتزود من مدرسة الليل وقيامه، ومدرسة القرآن وترتيله، ما يعينه على أداء رسالته، فإن الله سيلقي عليه قولًا ثقيلًا، عبئًا عظيمًا.
حين ينام الناس، ويستغرقون في نومهم، ويحلم كل منهم بما يروج في نفسه، منهم من يسير في أحلام الدنيا على طريقة الجوعان بحلم أنه في سوق الخبز، أو في شارع المطاعم، ومنهم من يحلم بخير كثير يعينه الله به على الأمة، أو شر مستطير يدفعه الله عنه، ومنهم من يحتاج حلمه إلى معبِّر يفسر رؤيته، كما كان حاكم مصر في زمن سيدنا يوسف الصديق، الذي عبره له، وأشرف على تنفيذه بالفعل، وأنقذ الله بذلك مصر ومن حولها من هول المجاعة العامة.
حين يسرح الناس في منامهم مع هذه الرؤى والبشارات وأحاديث النفس، يظل محمد حيًّا مستيقظا مع ربه، يرجوه حيث يخافه المفرِّطون، ويخافه حيث يجترئ عليه الغافلون، يناديه بما ينادي ربه المؤمنون، ويدعوه بما يدعو به المتوكلون: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الممتحنة: 4، 5]. وكثيرًا ما يطيل الثناء على ربه من خلال ما ينزله الله عليه من كتابه، كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:191-194].
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «من عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».
وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه- أي: تتشقق- فقالت له: لم تصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا؟».
ونحوه صحَّ عن المغيرة بن شعبة، إلا أنه قال: قام النبي الليل حتى تورَّمت قدماه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا».
وعن جابر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن في الليل لساعة (قدر من الزمن) لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله خيرًا من أمور الدنيا والآخرة، إلا أعطاه الله إياه، وذلك كل ليلة».




أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.