الجيش والحداثة والسياسة

عادل إبراهيم حمد

السبت، 09 فبراير 2019 01:18 ص 106

تُعجب النخب العربية كثيراً بمصطلح الحداثة، باعتبارها معبرة عن حالة هي الأجدر بنقل المجتمع إلى آفاق التقدم، بعد أن أقعدته حالة التقليد، حسب زعم النخب. يرفع هؤلاء من شأن الحزب والنقابة كمثالين من مؤسسات الدولة الحديثة، وتلصق النخب السياسية كل العيوب بالكيانات التقليدية، مثل القبيلة والطائفة. هذه أحكام مطلقة يفندها الواقع، حيث ثبت بالتجربة أن الكيان -حديثاً كان أو تقليدياً- يحتاج لحسن التوظيف، وإلا ابتذلت مزاياه وأفسدت، فالنقابة -على سبيل المثال- تنظيمٌ حديث يعمل على حفظ حقوق العاملين وينظم علاقتهم مع المخدم، لكنه قد يتحول إلى أداة ابتزاز، وقد يتحول إلى معطل للإنتاج بابتذال حق الإضراب.. في ميدان التقليد، قد تكون القبيلة كياناً معيناً على العمل الجماعي، يعضد هذا الادعاء تنظيمات قبلية يعمل أفرادها على خدمة دار القبيلة بإنشاء مؤسسات خدمية عبر عمل طوعي جماعي، لكن القبلية قد تتحول إلى مدخل للتعصب المقيت والفرقة، إذا لم تضبط.
للكيانات التقليدية والحديثة حضور قوي في العمل السياسي في السودان، فقد عمدت الأحزاب الكبيرة خلال تجارب التعددية الحزبية الديمقراطية إلى الاعتماد على كتل جماهيرية تقليدية مثل الطوائف الدينية والقبائل.. واتصفت فترات حكم التعددية الحزبية، التي تسيطر عليها أحزاب ليبرالية تعتمد على قوى جماهيرية تقليدية، اتصفت بمظاهر النظام الديمقراطي من حريات عامة، وما يعنيه ذلك من عدم التضييق على المعارضين، وخلو سجل عهود التعددية الحزبية من الانتهاكات الخطيرة، مثل الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل. هذا بجانب حقيقة مهمة أخرى لا بد أن ترصد في تجربة الأحزاب الجماهيرية الكبيرة، وهي أن هذه الأحزاب وإن اعتمدت في سندها الجماهيري على كتل تقليدية، لكنها أدارت الدولة بكفاءات مؤهلة، حيث لم تعتمد على دراويش أو زعماء عشائر أميين، كما يتبادر للأذهان عند قراءة النقد الذي يوجهه العقائديون إلى الأحزاب الليبرالية الجماهيرية. ويكفي أن أشير إلى أن حزب الأمة المصنف بمعايير العقائديين كأكثر الأحزاب طائفية، إذ تدعمه طائفة الأنصار، قد قدم لإدارة الدولة كفاءات وطنية في قامات محمد أحمد محجوب، وعبد الله خليل، وإبراهيم أحمد، وعبد الرحمن علي طه.
في مقابل اعتماد الأحزاب الليبرالية على كتل جماهيرية تقليدية للوصول إلى السلطة، اعتمدت الأحزاب العقائدية -يميناً ويساراً- على الجيش في الوصول إلى السلطة.. يعرف أن الجيش من مؤسسات الدولة الحديثة، وقد أسس بمفهوم هذه الدولة، لحماية الوطن من أي عدوان خارجي أو تمرد داخلي؛ لكن اعتماد القوى العقائدية -التي تحسب نفسها من قوى الحداثة- على الجيش -الذي يعد أيضاً من مؤسسات الحداثة- قد منح الجيش مهمة غير التي عهدت إليه في الدول الحديثة المتقدمة، حين أصبح للجيش دور في السياسة. وتبع ذلك تطور خطير، حيث ارتبط حكم الجيش بالتضييق على الحريات وبالغلظة والفظاظة لاعتماده على قوة عسكرية باطشة، فأصبح الخلاف السياسي غير متوازن، بعد أن ألزمت الأحزاب الليبرالية الجماهيرية نفسها بالحراك الجماهيري في مقابل قوة عسكرية استأثر بها العقائديون أهل الحداثة.
هذا هو الجيش، إحدى قوى الحداثة، وقد ألحق بالعمل السياسي ضرراً بليغاً عندما أسيء توظيف الجيش، وكُلّف بمهمة ليست من اختصاصه، ليؤكد هذا المثال أن الإضرار بالعمل السياسي لا تحدده حداثة أو تقليدية المؤسسة المعنية، بل يقع الضرر متى ما تعدت المؤسسة حدودها.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.

مطالبات بسرعة رصف شارع محمد بن عرفة بالهلال

«نورثويسترن» تطلق 3 كتب جديدة حول الإعلام في المنطقة

مواكبة التطورات العالمية للحد من سرطان الغدة الدرقية

قاعدة العديد تنظم النسخة الثانية من مهرجان اليوم العائلي

تطبيق «إدارة الوقت» يفوز بالجائزة الأولى في «هاكاثون 2019»

إزالة نصف طن مخلفات بشاطئ لقطيفية

إنجاز 771 معاملة في «الريان».. وإزالة سيارات مهملة بـ «الشمال»

«أشغال»: إنجاز محور صباح الأحمد في 2021 بإجمالي أعمال 37 كيلومتراً

«العرب» أول صحيفة تقوم بزيارة ميدانية لأكاديمية «ريناد» لأطفال التوحد بمؤسسة قطر

مغردون: الاستقرار الأسري صمام أمان المجتمع

الدوحة