التدخّل المصري في ليبيا.. ما قبل السقوط

د. سعيد العلام

الثلاثاء، 30 يونيو 2020 02:18 ص

تَدخُل الأزمة الليبية نفقاً مظلماً مفتوحاً على المجهول، من خلال التلويح بالتدخّل المصري عسكرياً في الصراع الدائر بين الفرقاء السياسيين في ليبيا؛ فهل هذا التدخّل ضرورة استراتيجية؟ ألا يمكن أن يكون مغامرة قد تعجّل بسقوط النظام المصري؟
إن الإجابة تدفعنا لتوصيف ثلاثة سيناريوهات تقييماً للتدخّل العسكري، مبنية على قواعد استراتيجية:
- تعزيز القوة التفاوضية: إن الأدبيات الكلاسيكية للفكر الاستراتيجي، والتي تختزلها مقولة كارل كلاوزفيتش «الحرب امتداد للسياسة»؛ بمعنى أن الحرب جزء من العلاقات السياسية، فهي لا تشكّل شيئاً مستقلاً. وإذا ما مكثنا ضمن هذا المستوى من التحليل فإن التدخّل العسكري المصري ما هو إلا امتداد لمبادرة السلام التي تقدّم بها السيسي، بمعنى أن الواقع على الأرض من يحدّد القوة التفاوضية لأطراف الصراع. ولعلّ هذه التحركات العسكرية مجرد «تكتيك» يعزّز من وضع ما يُسمّى حكومة طبرق والجنرال حفتر، من أجل وضع اعتباري متميز في صيرورة التفاوض المأمولة، كما أن التلويح بالتدخّل هو تسريع لعملية العودة لطاولة المفاوضات، ورفع سقف التفاوض لتعزيز الموقع التفاوضي لحفتر وحلفائه، محاولين تخطّي «اتفاق الصخيرات» كحدّ أدنى، وتقرير مصير المشير حفتر.
- الإنهاك الاستراتيجي: إن الإقدام على شنّ حرب دون حساب العواقب قد يكون من الأخطاء الاستراتيجية، بناءً على قاعدة «قد تبدأ الحرب ولكن لا تمتلك سلطة إنهائها»، التي لا يمكن لجيش نظامي الوقوع فيها، بالنظر إلى المعطيات الجيو-سياسية على الأرض. إن اختيار التدخّل العسكري في دولة مجاورة أكبر مجازفة استراتيجية، فغالباً ما يُتخذ قرار الحرب المباشرة بناءً على المعطيات الجغرافية، فالولايات المتحدة -بصفتها أكثر الدول استعمالاً للحرب المباشرة- تبني على أساس البُعد الجغرافي رغم قوتها العسكرية. وتجربة مصر في اليمن سبتمبر 1962 مشابهة للوضع الليبي من حيث الأسباب، لكنها تختلف من حيث الظروف (البُعد الجغرافي)؛ حيث اعتقد عبد الناصر أنها ستنتهي في فترة زمنية قصيرة، لكنها دامت 5 سنوات أرهقت 70 ألف مقاتل، وخلّفت 5 آلاف قتيل وأكثر منهم من الجرحى والعجزة وملايين الجنيهات. قد يبدأ السيسي الحرب، ولكنه لا يملك قرار إنهائها، وقد تتحوّل إلى حرب استنزاف تُضعف الجيش المصري. إن الخطر الاستراتيجي لهذا التدخّل قد يكلّف النظام المصري كثيراً؛ لأنها لا تدخل ضمن نطاق الحرب المحدودة التي تراهن على ضربة بأقل الخسائر، وأن التدخّل في بؤرة صراع تتداخل فيها مصالح استراتيجية كثيرة ورهانات سياسية ستساعد على إطالة الحرب، وقد تُقحَم مصر في متاهة لا تستطيع الخروج منها بسهولة. إن التدخّل العسكري المباشر في ليبيا قد يكون مُقدّمة لنهاية النظام السياسي الحالي، بالنظر إلى تعقّد الوضع الجيو-سياسي في الأزمة الليبية، التي قد تُفضي إلى إنهاك استراتيجي وحرب استنزاف، ستعمّق من أزمات مصر الاقتصادية والاجتماعية.
- الحرب بالوكالة: هي أكثر السيناريوهات تعقيداً، قياساً بالرهانات الجيو-سياسية المرتبطة بالنظام العالمي الجديد، التي ستُقحم الأزمة الليبية ضمن صراع الكبار. ولعلّ الاحتقان الدولي الذي يدفع باتجاه حرب عالمية ثالثة - كما أكّدت على ذلك مجلة «ناشيونال إنترست»، محدّدة خمس مناطق محتملة لهذه الحرب في أفق 2020 (إيران إسرائيل/ تركيا/ كاشمير/ كوريا الجنوبية/ بحر الصين الجنوبي)- قد يرجّح التحركات المصرية ضمن حرب بالوكالة يقودها المحور الأميركي المحرّك للإمارات والسعودية كمموّنين للحرب ومصر كوقود لهذه الحرب، في مواجهة التحالف الصيني الروسي التركي (محور الشر) أو ما أسميته سابقاً بـ «عودة الإمبراطوريات القديمة» أو «صراع الإمبرياليات»؛ باعتبار أن التدخّل التركي في ليبيا يدخل ضمن نطاق التقسيم الجيو-سياسي الجديد لقوى الصراع الدولي، التي تجعل شمال إفريقيا منطقة نفوذ تقليدية للإمبراطورية العثمانية (وهو ما يفسّر الانسحاب التكتيكي الروسي من ليبيا)، كما تجعل المنطقة «الأوراسية» وأوروبا الشرقية منطقة نفوذ استراتيجي للإمبراطورية الروسية، وتستحوذ الصين على مناطق نفوذ استراتيجية ممتدة عبر طريق الحرير القديم نحو أوروبا وإفريقيا. وإن كان هذا التقسيم الجيو-سياسي لا يستند على «الهيمة الصلبة»، بل هو اختيارات عسكرية دفاعية، واستراتيجيات تمدّد اقتصادي «الهيمنة المائعة» المبنية على التعاون والمساعدات العسكرية والاستثمار الاقتصادي.
إذا كانت تركيا طرفاً صريحاً في الصراع، وأن روسيا وأميركا وفرنسا أطراف أخرى متوارية، فإن التدخّل العسكري المصري مجازفة استراتيجية بالنظر إلى القرب الجغرافي وتعقّد الرهانات الاستراتيجية، قد تجعل مصر ورقة محروقة ضمن صراع الكبار.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.

مواطنون: تراجع «كوفيد- 19» يعكس احترافية كبح الوباء

نائب الأمير يهنئ الرئيس ترمب

إغلاق مواقع عمل 84 شركة 3 أيام

«الدولي الإسلامي» يطلق عرضاً بالتعاون مع «القطرية»

منشورات بـ 3 لغات لتوعية روّاد الشواطئ بـ «النظافة العامة»

رئيس الوزراء يهنئ بذكرى استقلال أميركا

إعلان الفائزين بـ «مختبر الشهرة 2020» غداً

سمو الأمير يهنئ الرئيس الأميركي

530 إصابة جديدة بـ «كورونا».. و90387 إجمالي المتعافين

صاحب السمو يجري اتصالاً بالرئيس الجزائري

الدوحة