السبت 20 ربيع الثاني / 05 ديسمبر 2020
 / 
12:27 م بتوقيت الدوحة

مكتب «شريك الحياة».. هل يكون حلاً لظاهرة العنوسة؟

حنان غربي- سندس رفيق

الخميس 19 نوفمبر 2020

تقدمت الباحثة هند الحمادي، طالبة دكتوراة في جامعة التكنولوجيا الماليزية، بمقترح إلى مركز الاستشارات العائلية «وفاق»، بإنشاء مكتب لاختيار شريك الحياة «مكتب للزواج» في المركز أو في أي جهة أخرى مناسبة، يقوم على أسس علمية ونفسية، ويراعي القيم الدينية والاجتماعية للبلد، ويساعد على الاختيار الصحيح لشريك الحياة. 
وأوضحت هند الحمادي أن مشروعها -الذي أرسلت نسخة منه إلى «العرب»- يهدف إلى المساهمة في التقليل من ظاهرة الطلاق والعنوسة.
وقالت هند في المقترح: نظراً للتغيّر الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي للأفراد في المجتمع القطري، وزيادة الانفتاح على العالم، وتغيّر مفهوم الزواج ومفهوم الحقوق والواجبات في الأسرة، أصبحت المرأة أكثر تعليماً وأكثر استقلالية، وأصبح لها دور أكبر في التنمية الوطنية، فلا بدّ من الحرص على معالجة مشكلات الشباب وفقاً للمتغيرات العصرية، بما يضمن تماسك المجتمع الذي يصب بدوره في مصلحة الوطن، فأساس نجاح الشباب هو نجاح الأسر، ومن هنا تأتي هذه المبادرة.
وأضافت: نلاحظ في العقد الأخير من القرن الحالي ازدياد عدد النساء غير المتزوجات والمطلقات بنسبة كبيرة، حتى أصبحت ظاهرة عالمية، وظاهرة محلية. وهذه الظاهرة لها مسببات كثيرة، منها عزوف نسبة غير بسيطة من الرجال عن الزواج لأسباب عديدة، أهمها عدم الثقة بنجاح علاقة الزواج، وسيطرة النظرة السلبية تجاهه من خلال استقراء انتشار حالات الطلاق في المجتمع.

حجم انتشار الطلاق في المجتمع 
وذكرت الباحثة أن نسبة الطلاق بين القطريين تجاوزت 35 % ما بين عام 2011 وعام 2019، مشيرة إلى أن النسبة عموماً مرتفعة بشكل يتجاوز الوضع الطبيعي، خصوصاً في المرحلة العمرية 25-34 وفق إحصائيات وزارة التخطيط التنموي والإحصاء، وأن نسبة العنوسة مرتفعة كذلك، إذ إنها في سنة 2014 بلغت 35.5 % من عند الإناث، وارتفعت إلى 38.4 % في سنة 2017. 
وتابعت: وتشير البيانات الإحصائية من 2009- 2018 الصادرة من جهاز التخطيط والإحصاء، إلى انخفاض معدل الزواج العام لدى القطريين «لكل ألف من السكان البالغين» لكلا الجنسين، حيث بلغ للذكور 23,3 وللإناث 20,1 في عام 2018، أي بمعدل انخفاض سنوي قدره 2.6 % للذكور، مقابل 3.5 % للإناث خلال فترة المقارنة. 
ونوهت هند الحمادي بأن مقياس معدل الإحلال الإجمالي الصادر من جهاز التخطيط والاحصاء، يشير إلى أن معدل الخصوبة الكلي للقطريات في تناقص، حيث بلغ أعلاه في 2008 نسبة 3.9، وهو معدل مرتفع جداً بالنسبة للمعدلات العالمية، ثم بدأ في الانخفاض إلى أن وصل إلى 2.9 في عام 2017، أي انخفض بنسبة 1.00، وهذا الانخفاض أدى إلى انخفاض النمو الطبيعي للسكان القطريين.
وأوضحت أنه عند النظر في الأرقام والإحصائيات حول حجم الظاهرة في دولة قطر وأسبابها، نجد أن المرأة باتت بين مطرقة الطلاق وسندان العنوسة، ونجد أن الرجل يتأرجح بين صعوبة الاختيار والعزوف عن الزواج، مما يؤثر على استقرار المجتمع وعدد السكان وشروط النهضة، وتؤكد رؤية قطر الوطنية 2030 على أهمية الأسرة والتماسك الأسري والمجتمعي كأحد أسباب تحقيق التنمية والاستدامة والرؤية.

 

ضوابط مكتب «شريك الحياة» 
وأكدت الباحثة أن أسس الزواج الناجح تبدأ من حسن الاختيار، إذ إن التكافؤ والتوافق بين الطرفين في الزواج من الأمور التي تطيل عمر الزواج مصحوباً بالسعادة. وقالت إنه في مركز «وفاق» من الخبرات والمؤهلات ما يمكنه من وضع دراسة كاملة تشمل الرسالة والأهداف واستراتيجية العمل، لإنشاء مكتب «شريك الحياة»، ليكون صرحاً في بناء الوطن.  وأضافت: وهناك مقاييس للاختيار والزواج يمكن الاعتماد عليها، وهي مقاييس داخلية «نفسية» وخارجية «مادية» كالتالي:
مقاييس داخلية:
1- حد أدنى من التعاطف والتجاذب النفسي المتبادل.
2- حد أدنى من التناسب في الطباع.
3- حد أدنى من الاتفاق على قيم أخلاقية أساسية.
4- حد أدنى من الاتفاق على أهداف مشتركة في الحياة.
5- حد أدنى من التناسب الروحي.
مقاييس خارجية:
1- الخصائص الجسمانية.
2- التناسب في العمر.
3- التناسب في المستوى الثقافي والتعليمي.
4- التناسب في المستوى الاجتماعي.
5- الإمكانات الاقتصادية اللازمة لإتمام الزواج.
وأوضحت أن هذه المقاييس يمكن معرفة تفاصيلها من خلال استبيان يوزع على الشباب من كلا الجنسين، ثم يتم جمع وتصنيف وتحليل المعلومات بما يخدم المشروع، ومن ثم:
7- وضعه في استمارة طلب اختيار شريك الحياة للمتقدم. 
8- البحث عمّن يوافقه ويكافئه من بين الاستمارات المقدمة.
9- عمل مقابلات بين الطرفين.
10- الوصول إلى النتائج التي تؤهل الطرفين للزواج.
11- حضور دورات إلزامية للتأهيل للزواج، هذه الدورات تُعدّ وفق منهج متكامل نفسي وفكري وثقافي واجتماعي واقتصادي.
12- في حالة حدوث مشاكل بين الزوجين يكون المكتب بالتعاون مع مركز الاستشارات العائلية على استعداد لتقديم المشورة والنصح والإرشاد.
ولخصت هند الحمادي أهداف إنشاء مكتب «شريك الحياة» في:
- إنشاء أسرة سعيدة.
- دعم التماسك الاجتماعي.
- نهضة وطن ونهضة أمة.
وشددت الباحثة على أن معالجة قضايا المجتمع، وإيجاد الحلول التي تساعد على إحلال الأمان والسلام والاستقرار، هو واجب ديني ووطني على كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة.
وذكرت أن مقترح إنشاء مكتب اختيار شريك الحياة، «هو مشروع جريء لكن ليس بجديد، إنما مطوّر ومبني على أسس علمية بما يتناسب مع متطلبات التنمية ومتطلبات العصر، وله صفة قانونية تقوم الدولة على إنشائه والإشراف عليه ومتابعته»، مضيفة أن المكتب قد يلاقي في بدايته صعوبات كغيره من الأفكار والمشاريع الجديدة، واستطردت: لكنها خطوة مهمة لمعالجة ظاهرة العنوسة والطلاق المتزايدة في دولة قطر.

كاتبات: الفكرة نبيلة.. لكن الموضوع «معقّد» اجتماعياً
رحبت كاتبات بفكرة إنشاء مكتب لاختيار شريك الحياة، وأجمعن على انعكاسها الإيجابي على المجتمع والتخفيف من نسب الطلاق والعنوسة.
في البداية، قالت خولة مرتضوي الباحثة الأكاديمية في الإعلام والحضارة: «إن الهدف من إنشاء مكاتب الزواج يبدو هدفاً نبيلاً في حدّ ذاته، لكن المشكلة الحقيقية –برأيي- تكمن في أن هذا المشروع الاجتماعي لا يمكن تأطيره، جزئياً أو كلياً بهذا الشكل، ورغم أن مؤسسة ذات اعتبار وكيان مدني معروف مثل مركز الاستشارات العائلية «وفاق» ستقف خلف هذا المشروع دعماً وتمويلاً، وستضع آليات عمل معينة، وتوظّف مستشارين اجتماعيين متخصصين، فإن تحقيق هذا الهدف، السامي في ذاته، سيكون مطلباً غير واقعي». وأضافت مرتضوي: «نظرياً يبدو الموضوع سهلاً للغاية في تحديد عدد من المواصفات الرئيسية لشريك الحياة، لكن الواقع يخبرنا كل يوم بأن الأمر فيه تفصيل كبير، ويكاد يكون من أعقد الأمور التي يصعب معها التصنيف والتفنيد الشخصي، فالأمر يتجلى في كونه ارتباطاً مقدساً، وشراكة عمرية يبتغى منها الدوام مدى العمر. وتابعت: «من وجهة نظري، يستحيل واقعاً أن نقيم أسرة ونبني المجتمع بناء على قاعدة بيانات واستمارات مملوءة بالمطالب والميزات الموجودة والمطلوبة لدى الآخر، قد تنجح الفكرة جزئياً مع البعض، لكنها قطعاً لن توفق لدى الكثير، هناك تحديات كبيرة تواجه الشباب، من أبرزها تحدي عدم الثقة في اختيار الطرف الآخر الأنسب لإمضاء بقية العمر معه.
وتؤكد الكاتبة والباحثة فايزة النعيمي، أنه من الضروري الاختيار الصحيح لشريك الحياة، وذلك لتلافي المشكلات مستقبلاً، وتنوه بأن الأمر ليس سهلاً، حيث يجب أن يدرب الطرفان أي الرجل والمرأة بشكل جيد، والحياة لم تعد كالسابق، متطلبات الحياة اختلفت، حيث تعقدت ولا يمكن لشباب الجيل الحالي أن يقبلوا بما كان قائماً سابقاً في المجتمع.  وتقول: أنا مع فكرة إنشاء مكتب شريك الحياة، حيث يساعد الشباب على الوعي وتحمل المسؤولية التي تعد من أهم أسباب الطلاق. وترى موضي الخليفي، أن فكرة إنشاء مكتب شريك الحياة قابلة للتطبيق، وتشير إلى أن الناس عامة تثق بفكرة «الخطابة»، ومع وجود مكتب فالأمر سيلقى قبولاً أكبر. وأضافت: بالطبع سيضع الجميع المواصفات المطلوبة بشكل صحيح دون تزييف، بالإضافة إلى أن التنسيق مع مركز الاستشارات العائلية، سيجعل العمل فيه ضمن آليات مدروسة. 

متخصصون: فكرة إيجابية.. وستلقى معارضة في البداية
السؤال الذي يفرض نفسه: هل إنشاء مكتب لـ «اختيار شريك الحياة» يكون أحد الحلول لظاهرة العنوسة في المجتمع؟ «العرب» طرحت السؤال على متخصصين في التربية والاجتماع والإعلام. من الناحية النفسية، ترى الاستشارية أسماء المنصوري أن مكتباً لاختيار الشريك قد يكون فكرة إيجابية جداً لحل مشاكل تأخر سن الزواج أو العزوف عنه. وقالت: أعتقد أن فكرة المكتب ستحل حيرة المقبلين على الزواج، وتوضح الكثير من الطرق الغامضة التي تصنع المخاوف لدى الراغبين في الزواج، حيث إن الغموض وعدم فهم ماهية الزواج وفهم الشريك وفهم أنفسنا ومدى توافقنا مع شخص ما، يسبب عزوف الشباب عن الزواج، فكلما وجدنا من يرشدنا إلى هذا الفهم نصل إلى الوعي الكامل بمدى احتياجنا ومدى توافقنا مع الشريك.  وأضافت أن المجتمع القطري أصبح حالياً منفتحاً على كثير من الثقافات، ويستطيع أن يصنع ثقافة خاصة به تناسبه وتوفر احتياجاته، والمؤكد أن أي فكرة جديدة في مجتمع ما ستقابل ببعض النقد من المعارضين لها، حتى يجربها كثيرون وتلقى نجاحاً، مما يزيد الوعي لدى كثير منا بأهمية أن نطلب استشارة من متخصص في مجاله، كما نذهب للطبيب المتخصص في حال الألم. ونوهت الاستشارية النفسية بأنه يمكن أن تكون هذه المراكز في البداية اختيارية للمقبلين على الزواج والشباب والبنات ممن هم في عمر الشباب حتى تصبح ذات أساس قوي، ويقبل عليها الآخرون ممن يرون الأثر حولهم والتجارب الناجحة، معتبرة أنها ستساهم في توضيح المعتقدات الخاطئة الشائعة بين الشباب، ونشر فكرة أهمية شريك الحياة في تحقيق الاستقرار والسعادة في الحياة، وفي نفس الوقت تهيئة هؤلاء الشباب لتحمل هذه المسؤولية بكل حب، ورؤية نماذج ناجحة في المجتمع تسهم في تحقيق التوافق بين الشريكين وتقلل من نسبة الطلاق.
من الناحية الاجتماعية، تقول مريم منصور اختصاصية اجتماعية، إن فكرة إنشاء مكاتب لاختيار الشريك للحد والتخفيف من ظواهر تأخر الزواج أو العزوف عنه فكرة تخدم المجتمع، ويجب أن تعتمد هذه المكاتب على آليات وطرق توعوية وتنمية الذات بتقديم طلب للزواج، حيث لا بد أن يتأهل المتقدم للزواج بدورات تدريبية متعددة وشاملة نفسية واجتماعية وأسرية واقتصادية للإدارة المالية للأسرة، وكذا دورات للتعرف على المشاكل الزوجية وكيفية مواجهتها أو تجنبها ووضع حلول لها.
ورأت مريم منصور ضرورة إخضاع الشاب والفتاة المتقدمين بطلبات الزواج لدراسة شاملة مبنية على أسس علمية وورش توعوية وتدريبية قبل الزواج من قبل متخصصين واستشاريين يؤهلونهما لاختيار الشريك المناسب. 
واعتبرت أن مثل هذه المكاتب ستكون فرصة لحل العديد من المشاكل والظواهر غير الصحية في الزواج، مثل غلاء المهور والإسراف والتركيز على الجوانب الاقتصادية في الأسرة والتوافق وتحقيق التوازن بين الطرفين.
من جانبه، يرى الإعلامي يوسف الكواري أن فكرة مكتب رسمي أو تحت مظلة حكومية لتوفير شريك حياة قد تكون غريبة عن المجتمع، واستطرد: لكن إن وجدت وفق ما يتناسب مع تقاليد المجتمع، ولم يكن فيها ما يشوب خصوصية المتقدمين بالطلبات، فإن الفكرة إيجابية جداً، وتحتاج فقط لوضع آليات واضحة لعملها. ويعتبر الكواري أنه إذا تم تطبيق هذه الفكرة من طرف جهة رسمية، فإنها ستحظى بثقة المتقدمين، لأن إجراءاتها ستكون واضحة، وسيأمن المتقدمون من الخداع والغش والتلاعبات التي تقوم بها بعض الجهات غير الرسمية.

_
_
  • العصر

    2:24 م
...