الإثنين 7 رمضان / 19 أبريل 2021
 / 
02:52 ص بتوقيت الدوحة

طريق الشباب نحو المجهول.. القروض الاستهلاكية.. مفتاح للفرج.. أم ورطة؟!

حنان غربي

الجمعة 26 فبراير 2021

إغراءات، وتسهيلات وإجراءات يسيرة، تقع بعدها الواقعة ويُجرّ الشباب إلى المحظور، قروض استهلاكية من أجل السفر، وأخرى من أجل الحصول على كماليات لا تسمن ولا تغني من جوع، تورّط أصحابها في دوامة من الديون، وسلسلة غير منتهية من الفوائد المتحركة، تحرك معها مستقبل عوائل كاملة إلى المجهول.
أبو شهاب -الذي رفض الكشف عن هويته الحقيقية- نموذج من هؤلاء، يقول: إنه سمع عن وجهات سفر مغرية لم يستطع مقاومتها، ولم يمكّنه راتبه الضعيف من زيارتها، فما كان منه إلا أن توجه إلى البنك، وطلب قرضاً استهلاكياً بتسعين ألف ريال، لم يُبقِ منها ولم يذر، قام بصرفها خلال رحلته التي دامت شهراً كاملاً، استمتع فيها برحلة أحلامه، ولسوء حظه أنه تعامل مع بنك يعتمد الفوائد المتحركة غير الثابتة، وهو ما جعله يدفع المبلغ الذي اقترضه مضاعفاً.
 ورغم أن أبا شهاب عانى بسبب القرض الذي ظل يدفع فوائده لمدة طويلة، فإنه يقول إنه يفكر في الاستفادة من قرض آخر، لكن هذه المرة للحصول على سيارة حديثة، يستطيع أن يتباهى بها، ويقول: السفر إلى الخارج تحول الى نوع من ثقافة المجتمع والظهور والمباهاة، ومجاراة الآخرين، حتى ولو لم تكن الأسرة مؤهلة، لكن علينا أن نجاري زماننا ونعيش كما يعيش الآخرون، طالما أن الحلول موجودة، حتى وإن كانت صعبة، لكن على الفرد فقط أن يكون عقلانياً، ولا يطلب قروضاً غير قادر على سدادها، حتى لا يتورط مع البنوك في قضايا ومشاكل.

قرض لردّ الاعتبار 
لم يكن أبو شهاب الوحيد الذي يعتقد أن القروض الاستهلاكية حلٌّ لبعض المشاكل أو طريقة لاستكمال النقائص، فإيمان التي تعتقد أنها خُلقت لتعيش مرفهة اقترضت من البنك لتحصل على حقيبة ثمنها فاق المئة ألف ريال.
وتروي إيمان قصتها مع القرض: كنت مع زميلاتي ذات مرة في المكتب، وبدأنا نتحدث عن الحقائب باهظة الثمن، فقامت إحداهن بازدرائي، وقالت لي أن أتوقف عن الأحلام، فلن أستطيع أبداً الحصول على هذه الحقيبة، ساعتها أحسست بإهانة كبيرة، وبدأت التفكير جدياً في الحصول على الحقيبة، لم يكن المبلغ متوفراً لديّ، ولم تقبل والدتي إقراضي المبلغ، حيث اعتبرت أن الحصول على حقيبة بهذا الثمن مبالغة، وعليه فقمت باقتراض المبلغ من البنك واقتنيت تلك الحقيبة التي كان امتلاكي لها نوعاً من ردّ الإعتبار أمام زميلاتي، ووجاهة لا أكثر، فقد حملتها لمرتين؛ لأنها لا تناسب المكتب، وخبأتها للمناسبات، ولأنني ليس لديّ الكثير من المسؤوليات فقد قمت بتسديد ديني في أجله المحدد ولم أتعثر.

سفر بالدين
من جانبها، تشير رانيا عبدالله موظفة بقطاع التدريس، إلى أن المغريات كثيرة، ومن الصعب علينا في هذا الزمن أن نرجع للوراء، فمواكبة الموضة والتكنولوجيا أصبحت شيئاً لا بد منه، وتقول: قدمت على قرض من أحد البنوك بمبلغ 100 ألف، حيث وعدني موظف البنك بأن القرض سينزل في الحساب في نصف يونيو المقبل، وأحتاج هذا المبلغ للسفر برفقة زوجي إلى أوروبا للسياحة، وبالرغم من أن زوجي لم يتقبل فكرة اقتراض مبلغ من أجل السفر للسياحة، لكنه رضخ للأمر الواقع واقتنع بأن ما يزيد من راتبنا نحن الاثنان لا يكفي رحلة بسيطة. 

22 عاماً من القروض 
وتشاطرها أسمهان سالم الرأي، وتقول: «أتفق في أن القرض يحل الكثير من الأمور، وبالنسبة لي فلا أستغني عنه أبداً، فأنا التزمت بالقروض لمدة 22 عاماً، وأجددها سنوياً وذلك لتعليم أبنائي الخمسة في المدارس الخاصة، حيث قمت بتسجيلهم وبحسب أعمارهم في فترات متقاربة، ولم أحب أن أظلم أحداً من أبنائي، فساويت بينهم قدر المستطاع، وأدخلتهم التعليم الخاص الذي بلا شك يحتاج إلى راتب قوي أو قرض فوري لتغطية مصاريفه بكل احتياجاتها.
وتتحدث عن هذه التجربة موضحة: «هي تجربة وفكرة جيدة ولا بأس بها، ولكنني حرمت نفسي من أمور كثيرة ومن رفاهية الحياة، فسيارتي لم أغيرها بالرغم من مرور 12 عاماً على اقتنائها إلى جانب السفرات، فلم يعُد باستطاعتي السفر وشراء الكماليات؛ لكوني وقعت في منظومة القرض الذي يستقطع نصف راتبي شهرياً، وما يتبقى فجزء منه للسكن والآخر لمصروفاتنا المعيشية».

استمتاع أيام.. وكرب لسنوات 
«مبالغة شديدة وقلة دين ووعي»، هكذا عبّر حمد العبيدلي عن ظاهرة الاقتراض من أجل الحصول على كماليات، وقال: «الاقتراض الخاطئ من البنوك هو الذي يتم من أجل شراء سلع كمالية أو رفاهية، أو من أجل محاكاة الآخرين والتباهي، بمعنى أن يقترض الإنسان للسفر للخارج، على الرغم من تحمله أعباء تفوق قدرته، أو أن يقترض لشراء سيارة فارهة وهو يملك سيارة بالفعل»، موضحاً أن «الاقتراض يمكن أن يكون ضرورياً طالما كان موجهاً لأغراض أساسية مثل التعليم أو تجديد وصيانة المنزل أو الزواج». ويستطرد: لكن الخلل أن يقترض الشخص للسفر ويستمتع أياماً ليجد نفسه يعاني لمدة سنوات.
واعتبر العبيدلي أن أغلب الشباب متورطون في قروض استهلاكية، سواء كانت من أجل ماركات أو سيارات، وهو ما اعتبره لا وعي وقلة حكمة، وألقى العبيدلي الكثير من اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي، التي كثيراً ما تكون السبب في تقديم الإغراءات للشباب بواسطة مشاهير كثيراً ما تكون كل حياتهم مزيّفة وغير حقيقية.
وأضاف أن البعض يُفرِط في الاقتراض من البنوك لأغراض، بعضها ضروري وبعضها استهلاكي، ويضطر إلى نقل المديونية من بنك إلى آخر أكثر من مرة، ثم يتعثر في السداد ليفاجأ ببلاغات ضده من بنوك عدة، مما يستلزم تدخل الأسرة للحل أو المساعدة، وإذا كانت الأسرة غير قادرة فيجد نفسه عرضة للسجن.

د. رجب الإسماعيل: تأثيرات أسرية سلبية نتيجة الاقتراض.. ويجب تعميم ثقافة «الادخار»

يُقسّم الدكتور رجب عبدالله الإسماعيل مدير مركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر في جامعة قطر، القروض إلى نوعين، الأول هو القروض الاستهلاكية، والنوع الثاني هو القروض الاستثمارية.
وذكر د. الإسماعيل أن النوعين مختلفان تماماً، فالمقبل على القرض الاستثماري يمتلك عقاراً أو أصولاً بعد أن ينتهي من تسديد ديونه ويتخلص من الأعباء المادية، في حين أن القرض الاستهلاكي تذهب متعته بانتهاء الهدف من القرض، ويبقى الدين وأعباؤه لمدة قد تطول وقد تقصر حسب الجدول الزمني للسداد.  
وأضاف أن دراسة الاحتياجات الفعلية قبل الحصول على قرض تُعد ضرورة لا تقل أهمية عن دراسة القدرة على السداد، إذ إن الاقتراض الخاطئ قد ينعكس بتداعيات سلبية اجتماعية وأسرية.
وأشار إلى أهمية أن يكون المقترض ذاته على وعي بأهمية ألا تتجاوز أعباء القرض قدرته على السداد، بمعنى أن يدرس شروط القرض جيداً قبل الحصول عليه، حتى يضمن قدرته على السداد، مشيراً إلى ضرورة أن يتمتع الشباب بالثقافة والوعي اللازمين قبل الإقدام على القروض.
وتابع الإسماعيل: على الرغم من أن الاقتراض من البنوك حق لكل شخص إذا ما استوفى الاشتراطات المطلوبة من قبل البنوك، فإنه يجب ألا يكون الاقتراض عادة يستسهلها الجميع لتدبير السيولة، مؤكداً أن هناك عدداً من الحالات التي يمكن أن يقترض الشخص من أجلها، وهي الحالات الضرورية فقط، وأوضح أن من أهم تلك الحالات الحصول على قرض من أجل العلاج، لا سيما إذا كانت الحالة الصحية تتطلب علاجاً سريعاً في الخارج، وكذا عند شراء مسكن أو إجراء ترميمات ضرورية في المسكن القائم.
وذكر أنه من بين القروض يفضل «الاستثمارية» التي تؤمّن للشباب أملاكاً بعد الانتهاء من سداد الدين، ونوه بأن القروض تشكل عبئاً وقلقاً يؤرق المقترض، فضلاً عن أنها قد تقوده إلى نتائج لا يتمناها نفسياً واجتماعياً ومادياً، وأصبح أسلوب الاقتراض ثقافة مسيطرة على المشهد الاجتماعي لتوفير بعض الحاجات الضرورية والكمالية أو ما دون الكمالية.
 وقال الإسماعيل: إن الأمر يستدعي ضرورة تحفيز الناس على التوفير، إلى جانب تقنين دواعي الاقتراض، حتى لا يكون منح القروض جزءاً من الكسب على حساب المستهلك، مع أهمية تعميم ثقافة «الادخار» وتنمية الموارد الذاتية؛ تلافياً لأوقات الاحتياج المالي الذي يضطر كثيرون معه إلى الدخول في متاهات الديون والاستمرار فيها لأمد طويل. وأوضح أن اللجوء إلى القروض الشخصية للصرف على المتطلبات الكمالية، يُعد من المشكلات الاجتماعية ذات الأثر الكبير في حياة المجتمع، سواء أسرياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو أمنياً أو أخلاقياً، واعتبر أنه من الضروري أن يتمتع المقترض بوعي وثقافة كافية للتحقق من حقائق القرض الذي هو مقبل عليه من سداد وفوائد وكل التفاصيل، إضافة إلى مقارنة العروض المقدمة من أكثر من جهة ومصرف.

روضة القبيسي:  قيمة الفرد في مجتمعاتنا بما يملكه.. وفي أوروبا بثقافته وعلمه وأخلاقه

ترى روضة القبيسي، مختصة في التنمية البشرية والتطوير، أن القروض الاستهلاكية في المجتمعات العربية تعود في مجملها إلى المظاهر، وأرجعت ذلك إلى الخلفية الثقافية المادية المنتشرة في المجتمعات العربية، والتي قالت إنها تشغل الجميع.
وأوضحت: أغلبية المناقشات والحوارات الاجتماعية تدور حول الماديات وحول المظاهر، ومن المعتقدات الراسخة في مجتمعاتنا أن ما يملكه الفرد من أصول، سواء منزل أم سيارة أم أي شيء مادي وأمور سطحية، يزيد ويضيف إلى قيمته، عكس الثقافة السائدة في أوروبا التي تربط قيمة الشخص بثقافته وعلمه وأخلاقه، وهذه الثقافة أو النظرة تجعل الفرد يسعى إلى مجاراة المجتمع، ولو عن طريق الاقتراض، للحصول على قيمة وسط المجتمع الذي يقيس قيمة أفراده عن طريق ما يملكونه، أو ما يصرفونه، أو وجهاتهم في السفر وغيرها من الأمور المادية.
وأضافت: إن القروض الاستهلاكية مرتبطة بثقافة استهلاكية ظهرت في مجتمعنا فجأة في حقبة زمنية معينة، ولا يمكن أن نتخلص من القروض إلا بتغييرنا نظرة المجتمع وثقافته فيما يخص المظاهر، وربط قيمة الشخص بالماديات.
 وهنا تشدد القبيسي على دور المدارس والإعلام والمؤسسات التوعوية لتكثيف الجهود لوقف الاستنزاف المالي الذي يضرّ المجتمع بأكمله؛ لذا لا بد من رفع وعي الشباب من كلا الجنسين، بضرر القروض عندما لا نكون في حاجة ماسة لها في تأمين نفقات علاجية، أو تأمين عقار بغرض الاستثمار، فيعتبر الالتجاء إليها مقيتاً.
واعتبرت روضة القبيسي أن أهم الأدوار هي تلك التي على المدرسة والجامعة لعبها في تعزيز الوعي لدى النشء، خاصة من يتأثر كثيراً بالمشاهير أو «البلوجر» من فئة الشباب، ويسعون إلى تقليدهم ومحاكات حياتهم، دون أن يعلموا أن البعض منهم يحيا هذه الحياة لأسباب دعائية فقط لا غير.
ونوّهت بأن القضية بحاجة إلى دراسة وبحث الأسباب، وإيجاد الحلول، مع التوعية وتغيير المفاهيم السائدة في المجتمع، ومحاربة كل ما يعزز فكرة أن الكماليات تسير بالتوازي مع الضروريات.

علي النعيمي: مشاهير «السوشيال ميديا» وراء ترسيخ ثقافة المظاهر

علي النعيمي من مشاهير «السوشيال الميديا»، يعتبر أن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي يتحمّلون الجزء الأكبر من ترسيخ ثقافة المظاهر، والتي جرّت الناس إلى الاقتراض.
ويوضح قائلاً: هناك عدة أسباب وراء اللجوء إلى القروض، أولها سلوك التباهي، حيث يسعى الفرد إلى إبراز أنه ينتمي إلى طبقة اجتماعية راقية؛ لهذا يلجأ إلى إظهار بعض مظاهر الرفاه، وبما أن إمكاناته لا تسمح له بذلك، يلجأ إلى القروض لشراء البيت والسيارة وحتى لقضاء بعض المناسبات الاجتماعية، ليُظهر أنه يملك إمكانات مالية، والحال أن نمط حياته قائم فقط على الاقتراض.
وللقضاء على هذه الظاهرة -يواصل علي- يجب أن ننطلق في البحث عن جواب لها من التربية التي نربي عليها أطفالنا، سواء داخل الأسرة أو في المدرسة، ففي مرحلة الطفولة، يلاحظ الطفل كيف يتصرف أبواه في تدبير مصاريف الأسرة، وطريقة سلوك الآباء فيها، تربية يمكن أن تكون إيجابية، ويمكن أن تكون سلبية؛ لذلك على الآباء والأمهات أن يتصرفوا بطريقة عقلانية في عملية الإنفاق.
وعن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، يقول علي: إن أغلبهم يعيش على الاقتراض لتحقيق الشهرة والمظاهر التي تتطلبها، كالسيارات والسفر والساعات الفارهة وغيرها، وهي أمور تحتاج أموالاً طائلة، وبما أن الكثير من المتابعين يرون المشهور قدوة فإنهم يقومون بتقليده واقتناء أشياء مماثلة لتلك التي يمتلكها، وهو ما يساهم في نشر ثقافة الاقتراض.
وحتى بالنسبة للمشاهير الذين يملكون ثروات أو لا يقترضون، فقد عارض علي نشرهم مظاهر الرفاهية وتركيزهم على المظاهر؛ لأنهم قدوة وهو ما يجعل الآخرين يقلدونهم بغضّ النظر عن إمكانياتهم حتى لو تطلب الأمر اللجوء إلى البنوك.
ويوضح النعيمي أنه كثيراً ما يسمع أو يصادف في محيطه أشخاصاً متورطين بالقروض، وقد يصل الأمر بهم إلى القضاء والمحاكم، وأحياناً السجون، وبرامج الخير التي تسعى لمساعدة الغارمين تشهد على هذه الحالات.
واعتبر أن اللجوء إلى القروض من المفروض ألا يكون إلا في حالة الضرورة، مثل إجراء عملية جراحية، أو حتى تعليم الأبناء، فيمكن أن نقول: إن الضرورة هي التي أملت اللجوء إلى الاقتراض.

_
_
  • الفجر

    03:46 ص
...