السبت 26 رمضان / 08 مايو 2021
 / 
10:22 ص بتوقيت الدوحة

تحوّل من إحياء للثراث إلى التباهي بالثراء.. ومواطنون ينتقدون الظاهرة: المبالغة في «القرنقعوه» مخالفة للشرع

هبة فتحي

الإثنين 26 أبريل 2021

د. عبد الله السادة:الاحتفال عادة لا عبادة.. والإسراف مخالف شرعاً
أمل عبدالملك: استنزاف ميزانية العائلات.. وفرصة للتجار الجشعين 
نور درويش: التباهي على مواقع التواصل الاجتماعي يذكي المبالغة والتبذير

البساطة عادة ما تترك في النفس أثراً أكبر وأعمق مقارنة بما تتركه المبالغات في الأمور؛ لأن الإنسان يميل بطبعه لكل ما هو بعيد عن الإسراف والتبذير، فهي الفطرة التي فطرنا الله عليها، ولكن النزعة الاستهلاكية والأفكار التي شوّهت عقول البعض جعلت البعض يسير مع التيار خوفاً من مخالفته. 
ومن أمثلة هذه المبالغة الاحتفال ببعض المناسبات التراثية مثل القرنقعوه الذي كان يقتصر الاحتفال به على توزيع الحلويات والمكسرات التي تُدخل البهجة في نفوس الأطفال والجيران بين بعضهم البعض، مع التغني بالأغاني الشعبية القديمة.
مؤخراً أصبحت هذه الاحتفالات بالقرنقعوه فرصة للتباهي والتفاخر بين بعض العائلات في أيهما أفضل في إعداد الحفل والملابس والمجوهرات والهدايا لتتفوق المقارنات بين المستويات المعيشية بين الأسر على الهدف الأصلي من الاحتفال به، وهو إدخال السرور في قلوب الأطفال، وإحياء التراث القطري الأصيل.
وتعد المبالغة في هذا الاحتفال مخالفة شرعية -وفقاً للفقهاء-لكونها تبذيراً، إلى جانب تحول القرنقعوه من مناسبة بسيطة تراثية إلى مناسبة للوجاهة الاجتماعية بين الأسر.  

إسراف في أمور لا فائدة منها مقارنة بالعبادات
قال فضيلة الداعية الدكتور عبد الله بن إبراهيم السادة عضو الهيئة العليا لرابطة اتحاد علماء المسلمين: إن الاحتفال بالقرنقعوه من باب العادات وليس العبادات، والهدف منه إدخال السرور على قلوب الأطفال.
وأضاف: إن الإسراف في هذا الاحتفال من أجل التباهي والتفاخر بين الأسر أمر منهي عنه دينياً، وأن بعض الأسر في الخمس سنوات الأخيرة أصبحت تبالغ في الأموال المُنفقة للاحتفال به التي وصلت إلى مبالغ كبيرة من أجل إعداد الحفل وتقديم الهدايا.
وفيما يتعلق بجانب الحرية الشخصية في هذا الأمر أكد السادة أن الإنسان عبد لله، وعليه الامتثال لأوامره، ومن ضمنها عدم التبذير والإسراف في الأموال التي أنعم الله بها علينا، وفقاً لقوله تعالى: «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» [الإسراء:29].
وقوله: «وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ للِرَبِّهِ كَفُوراً» [الإسراء: 26-27]، و»الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً» [الفرقان:67]، منوهاً بأن الوسطية في الإنفاق أمر أساسي في الإسلام، وأن الخروج عنها ليس من الدين في شيء. 
ونوه السادة بأهمية استغلال رمضان، باعتباره أيام معدودات في العبادة والصلاة، بدلاً من الانشغال لوقت كبير في احتفال القرنقعوه، خاصة في ظل قضاء عدد كبير من السيدات أوقاتاً طويلة في المحال التجارية لتجهيز ما يعرف بحفلة القرنقعوه، من شراء الأغراض وتجهيزها، كل هذا يأخذ من وقت العبادة والصلاة وقراءة القرآن في الشهر الفضيل، وهذا إسراف في الوقت في أمور لا فائدة منها مقارنة بالعبادات في هذا الشهر الذي ننتظره كل عام لما فيه من فضل في كل شيء.
ودعا د. السادة المجتمع للعودة للبساطة والابتعاد عن الإسراف، معتبراً أن توجّه البعض للتباهي يكون من باب الخوف من كلام الناس، أو المقارنات حول الأفضل في المستوى المادي، وغيره من الأفكار الدخيلة التي اجتاحت المجتمع التي من شأنها زيادة النزعة الاستهلاكية غير المبررة أو التي تفتقد للهدف. 

أجمل العادات الشعبية تخاصم البساطة 
قالت الإعلامية أمل عبد الملك: «إن عادة القرنقعوه من أجمل العادات الشعبية والرمضانية، والتي طالما ارتبطت بذكريات الطفولة البسيطة، وكنّا ونحن صغار نتجهز لليلة النصف من رمضان بالملابس الجديدة، وارتداء الحلي من الذهب والخروج مع أطفال الحي من الإخوة، وأبناء العم، والخالات، لطرق أبواب الجيران للحصول على القرنقعوه المكّون من حفنة من المسكرات والحلويات، الذي كنّا نحتفظ به في كيس من القماش حول رقبتنا، وكنا نتبارى من جمع قرنقعوه أكثر».
ولفتت عبد الملك إلى أن القرنقعوه تحول إلى ظاهرة مُكلفة ومُتكلفة، أفقدتها بساطتها وأهميتها، معتبرة أن المظاهر طالت معظم جوانب حياة المجتمع إن لم يكن كلها، وأن القرنقعوه تحول من مكسرات وحلويات بسيطة إلى هدايا ثمينة تصل للمجوهرات أو مئات الريالات، وإلى ألعاب أو شوكولاتة فاخرة.
وأوضحت أن طريقة الاحتفال جرى تشويهها هي الأخرى، فلم يعد الصغار يخرجون للشارع للحصول على القرنقعوه، بل أصبح الاحتفال في البيوت مع تجهيزات كبيرة في الديكور، وربما يتبعها سحور ويكون أقرب إلى حفلة، فأصبح مُكلفاً من كل النواحي.
وأضافت: «أصبحت بعض العوائل تتفاخر بالتجهيزات الأغلى والأفخم، مما يدخل ذلك تحت مسمى الإسراف، كما أصبح الطفل هو الذي يوزع القرنقعوه على أقرانه طبعاً بتجهيز من الأهل، وهنا يبرز دور التّجار في استغلال المناسبة والتفنن في الأفكار، وكلما تميزت الفكرة كلما زاد سعرها، مما يستنزف ميزانية العوائل التي يعتقد البعض منها أنهم بذلك يحافظون على العادات التراثية ويتناقلونها للأبناء، إلا أن الصورة والعادة الأصلية تغيرت كثيراً عما كانت عليه.
ودعت عبد الملك إلى ضرورة العودة إلى الطابع الاحتفالي القديم للحفاظ على البساطة ومواجهة مغريات التّجار الذين يستغلون كل مناسبة لتقديم ما هو جديد بأسعار باهظة.


الرغبة في الوجاهة.. عبء كبير على الأسر 
قالت نور درويش إن العائلات أصبحت تتفنن في تبادل هدايا القرنقعوه؛ لأنها أصبحت نوعاً من أنواع الإعلان عن مستوى معيشة الأسرة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي، وتصوير اليوميات على السناب شات وإنستجرام وغيرهما، حفّز البعض نحو المبالغة والتنافس فيما بينهم حتى تظهر كل أسرة بمظهر أنها الأفضل معيشياً ومادياً. 
وأضافت: إن أغلب العائلات والجيران أصبحت تتبادل الصور حول الملابس والمجوهرات وتجهيزات حفل القرنقعوه.
وأشارت نور إلى أن القرنقعوه لم يعد احتفالاً بليلة النصف من رمضان بين الأطفال فقط، من خلال تبادل الحلويات والمكسرات فيما بينهم، بل أصبح مجالاً لتبادل الهدايا كذلك بين الكبار، وفي حال تلقت أسرة هدية من الجيران أو الأهل أصبح لزاماً عليها ردها بنفس المستوى أو أفضل منها، حتى لا تظهر بمظهر المقصر ويؤخذ عليها فيما بعد، وبالتالي الموضوع أصبح عبئاً أكثر من كونه احتفالاً، لدرجة أن أغلب الأسر تدخر ميزانية خاصة للقرنقعوه، وهدايا بداية  ونوّهت بأن أسباب تحول القرنقعوه من عادة بسيطة إلى المبالغة في الاحتفال به ربما تعود إلى ثراء المجتمع الخليجي بشكل عام، مقارنة بالماضي، حتى أصبح التعبير عن ذلك يظهر في شكل الاحتفالات والهدايا وغيرها من مظاهر المجتمع، كنوع من أنواع التمدن، حسب ما ينظر له البعض، لافتة إلى أنه من الصعب عودة المجتمع إلى الوراء في أفكاره وبساطته حتى لو كان أفضل مما نحن عليه الآن، لأن طبيعة المجتمع أصبحت استهلاكية، وتغيير الأفكار أمر صعب للغاية، وبالتالي التماشي مع مستجدات المجتمع أصبح أسهل من تغييره أو السير عكس التيار.
وأكدت أن الكثير من الاحتفالات أصبحت تُصنّف على أنها للوجاهة الاجتماعية، ولن ترضى أي أسرة أن تظهر بمظهر أقل من مستواها أمام الجميع.

_
_
  • الظهر

    11:30 ص
...