الإثنين 11 ذو القعدة / 21 يونيو 2021
 / 
01:52 ص بتوقيت الدوحة

إدارة القوة والتمكين

مبارك الخيارين

هناك ظاهرة تصاحب ‏الكيانات والأفراد في حالة القوة والاستغناء والتمكن من الوضع والسيطرة على الأمور، مما ينتج عنه حالة من التراخي وعدم بذل الجهد المطلوب، الأمر الذي قد تنهار فيه هذه الكيانات أو تدخل في مرحلة حرجة تتسبب فيها بضعفها، وهناك عدة أمثلة قد نذكر منها شركة نوكيا التي لم تهتم بتسارع نمو شركة أبل في السوق، والتقنية المبتكرة التي طرحتها، وذلك بسبب حجم «نوكيا» في السوق العالمي واستبعاد تهديد حصتها، فماذا حدث؟ انهيار «نوكيا» وصعود «أبل» نتيجة طبيعية لحالات عدم الاستعداد والانتباه.
 ومما يجدر بالذكر ما جاء في النص القرآني لحادثة التراجع والانهزام في غزوة حنين، بالرغم من قوة المسلمين ونصرهم المحتوم:
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}.
هنا افتقد المسلمون التركيز العام والنسق الجماعي، وذلك بسبب تملك لحظة الإعجاب بالكثرة عليهم.
أولاً دعونا نتفق على أن من يملك اللحظة ليس كمن تملكه تلك اللحظة.. وهذه اللحظة قد تكون موقفاً ومشروعاً وأزمة؛ بمعنى أنه متى ما كان الإنسان يملك الموقف ومسيطراً على انفعالاته ومعزولاً عن التأثيرات الخارجية، فإنه يكون في موقف الفعل وليس ردة الفعل.
ملكية الموقف تتطلب التركيز العالي جداً وعدم التشتيت أثناء الفعل، فإذا اقتربت من تحقيق النتيجة تظهر منطقة (الإنجاز الوهمي)، وهي اعتقاد الإنسان ببلوغ الهدف قبل بلوغه فعلياً، وهنا يحدث الخطر؛ حيث ينخفض في هذه المنطقة التركيز وتتراخى الجهود، وهذا حدث لو تلحظون عند هزيمة المسلمون في حنين، وهم قد ضمنوا الانتصار قبل بدء المعركة، فالأعداد الكثيرة 12 ألف جندي أصبحت كمخدر عام للجميع لدرجة أدخلتهم في منطقة التراخي وعدم التركيز.
وكذلك قد تحدث مع الدول في مشاريعها بسبب ما تملكه من أموال وقدرة، فتتهاون في تنفيذها في جانب المدة أو الجودة، فتدخل الدولة في مرحلة تعجيل الجهود، ودفع مبالغ إضافية، إما لتعويض أو لتسريع بسبب ارتفاع التكلفة، والعجلة دائماً لا تأتي بما هو مطلوب أو متوقع بخلق مشاريع ذات أخطاء ترفع من تكلفة صيانتها وأحياناً صرف النظر عنها بالكلية لقوة الملاءة المالية. 
ولهذه المنطقة الوهمية تدريبات كثيرة تعنى بتثبيت التركيز من خلال التوجيه المعنوي والإعداد النفسي، ففي الجانب العسكري فإنه يجب تربية الجنود على احترام قدرة العدو ومفاجآته، وأن مصدر النصر الحقيقي هو الله تعالى، حيث يمكن حينها انتزاع دواعي العجب والغرور التي تهدم الجهود في حالة الحاجة إليها.
وفي جانب التعليم غرز ثقافة الاستباق الدراسي والاستعداد للمساءلة الشفوية والاستجواب الكتابي لما سبق، حيث يعاني طلابنا من عقلية التأجيل، إما ثقة في النفس أو ثقة في التعويض في اللحظات الأخيرة، وما يصحب ذلك من دروس خصوصية مكثفة إنقاذية قد تجدي، وقد يضيع فيها كل شيء، المال والوقت والجهد. 
وأخيراً فإن إدارة القوة والتمكين تتطلب معرفة الذات واحترام المقابل الذي قد يكون وقتاً أو عدواً أو منافساً أو خصماً، فالقوة مهما كانت فإنها محكومة بالوقت الذي قد يحاصرها وينقص منها، فلا تنفع صاحبها.. دمتم بخير.