السبت 17 ربيع الأول / 23 أكتوبر 2021
 / 
12:35 ص بتوقيت الدوحة

التهذيب الوظيفي

مبارك الخيارين

تكمن الاستفادة الكبرى من الموظف حال توظيفه في مدى قدرته على الاندماج والانسجام في بيئة العمل بشكل يطلق فيها أغلب قدراته لخدمة المؤسسة، وهذا يعتمد على شخصية الموظف وطريقته في الانخراط الوظيفي والتمركز في الموقع الصحيح داخل العمل، مما ينتج عنه إضافة قيمة حقيقية من الموظف للعمل. 
تستند عملية التهذيب الوظيفي إلى خطة تأهيل وخطة تدريب وخطة تمكين، وللأسف لا تقوم إدارات الموارد البشرية بما يجب عليها، فهي فقط تسجل بيانات الموظف في المؤسسة ومن ثم ترميه إلى الإدارة الطالبة دون متابعة أو رؤية واضحة لهذه الموارد البشرية المهمة. وتعتقد أن مجرد توفير الدورات والتحقق من الحضور هو نطاق عملها فقط، وهذا أسميه السطحية الإدارية والجهل في أسس التعامل مع هذه الموارد. 
فنحن إذا رأينا ‏إدارات الشؤون المالية وهي تتابع بحرص وقلق ومسؤولية صرف الأموال في داخل المؤسسة ومتابعة الفواتير والمشتريات والنفقات والتحقق منها بواسطة التدقيق الداخلي لديها والتدقيق الخارجي المتمثل بديوان المحاسبة لعلمنا أهمية الموارد المالية في ذهنية وعقلية الحكومة، عكس ‏ما يحدث في إدارة الموارد البشرية التي لا تنتهج طريقة ومنهجية إدارة الشؤون المالية حفاظا على الموارد المالية وأعتقد جازما بأن الموارد البشرية هي أهم من الموارد المالية في المتابعة والحرص والمسؤولية، وأتذكر في أطروحة بعض المرشحين لعضوية مجلس الشورى كلمة المرشح السابق أخينا هلال بن سعد المهندي والذي قال فيها جملة لفتت نظري وهي (هدر الموارد البشرية أكثر خطورة من هدر الموارد المالية).
تعتمد خطة التأهيل على فتح جميع مصادر المؤسسة للموظف الجديد ضمن إطار عمله وتشجيعه على معرفة مَوَاطِن القوة والضعف في بيئة عمله وكيف تعمل وما هي الآليات والإشكاليات، ومعرفة تاريخ المؤسسة وثقافتها وقيمها ومدى التزام الجميع فيها، فالتأهيل عبارة عن تعريف الموظف بثقافة المؤسسة والإحاطة بشخصيتها وذلك لتتمركز المؤسسة في وجدان الموظف وكذلك ليتم تهيئة الموظف معنوياً ونفسياً للمسار التدريبي، فهنا أشبه الموظف كلاعب كرة قدم قد يعتبر أول دقائق اللعب هو دخول في جو المباراة والإحساس بالكرة، وهذا ما أسميه بالتأهيل في العمل. 
فبعد التأهيل تأتي مرحلة التدريب وهي مرحلة ربط قدرات الموظف بأدوات ومهام المؤسسة من خلال الدورات وورش العمل والاجتماعات والمشاركة الثانوية في سير العمل إلى أن تنسجم القدرة مع المهمة وهذه تختلف فيها منهجية الشركات والمنظمات، كل حسب فلسفته، فمنها من يبني مراكز تدريب ذاتية وداخلية هي من تقوم بعملية التدريب بشكل عملي بدلا من استيراد التدريب، وهنا أشير إلى شركات مثل ايكيا وماكدونالدز التي أنشأت «جامعة الهامبرجر» لتدريب الموظفين على مستوى ماكدونالدز لمساعدتهم على أداء مهامهم كما ينبغي. وتعد مركز تدريب دولياً متخصصاً في تطوير كفاءة الأفراد بعمليات إدارة المطاعم، بما في ذلك الجودة والخدمة والنظافة والقيمة. وهي تمثل مركز ماكدونالدز العالمي للتميز والتدريب، ولديها فروع في كل من شيكاغو وهونغ كونغ وسيدني وهامبورغ وطوكيو والصين وسنغافورة ودبيوغيرها.
وأذكر هنا نوعية التدريب المقدم من الجهات الحكومية والتي تعتمد غالبها على معهد التنمية الإدارية وبعض الشركات التدريبية التي يتشابه محتواها وتتقارب في أسلوب التدريب، وأعتقد أن ضعف جودة التدريب راجع لعدة أسباب، كما ورد في تقرير جريدة الشرق، والتي استطلعت آراء خبراء ومختصين وموظفين في الدولة حول أسباب فشل العديد من الدورات التدريبية الخاصة، بموظفي الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية المختلفة، واستطاعوا إحصاء نحو ثمانية أسباب رئيسية تجعل الدورات التدريبية عديمة الجدوى مثل ألا تكون هناك علاقة بين الدورة التدريبية ومجال العمل، فالكثير من الدورات تعقد دون الاهتمام باختيار الدورة المناسبة، ودراسة احتياجات الموظفين، بالإضافة إلى اختيار مدربين غير أكفاء، يعتمدون على الجانب النظري، مما يؤدي إلى فشل الأهداف المرجوة من الدورات التدريبية.
بالإضافة إلى الاختيار الخاطئ للموظفين الذين يفترض أن يحضروا الدورة التدريبية، فالبعض منهم ليس له علاقة بموضوع، ومضمون الدورة إلا أنه يتم ترشيحه من جهة عمله، أما السبب الرابع فيرجع إلى أن هناك متدربين ليست لديهم رغبة في التعلم، لذلك لابد من التأكد من قابلية المتدربين للتدريب، ورغبتهم في الاستفادة من تلك الدورات التدريبية، فضلا عن شكاوى البعض من عدم كفاءة المدربين الذين يتم اختيارهم، أما السبب السادس فيعود إلى عدم مقدرة المدرب على توصيل المعلومات أو تنمية المهارات، وهذه إشكالية كبيرة تحتاج إلى حلول فورية وعاجلة، بالإضافة إلى عدم اهتمام المدرب بتدريب المتدربين أو حرصه على استفادة الحضور من الدورة، ويرجع السبب الأخير إلى أن بيئة العمل لا تساعد المتدربين على تطبيق ما تعلموه.
بعد التأهيل والتدريب تأتي مرحلة التمكين ‏وهي إتاحة الفرصة لاستخدام جميع المهارات التي تعلمها الموظف من خلال الورش والدورات وتحويلها إلى أعمال وظيفية ‏والدفع بالموظف ‏إلى العمل من خلال التفويض وإسناد المهام والثقة الكاملة وإعطاء الفرصة أكثر من مرة ومتابعة شاملة لأعمال الموظف وتصحيحها وصولا إلى القدرة الأمثل في التنفيذ وبهذا فقط يتم خلق كوادر حقيقية فاعلة في بيئة العمل. 
وأخيرا جميع ‏المراحل لها ‫ثمن وتكلفة ‏ويتم استرجاع هذه التكلفة من خلال مرحلة التمكين والتي يظهر فيها الموظف قدراته الحقيقية وينفذ المهام بالشكل المطلوب.