الإثنين 23 ذو الحجة / 02 أغسطس 2021
 / 
06:53 م بتوقيت الدوحة

ليلة الحرية.. عندما صنع الأتراك التاريخ وأسقطوا الانقلاب

سعادة د. م. مصطفى كوكصو

شهدت الجمهورية التركية -ليلة 15 يوليو 2016- حدثا تاريخيا بامتياز، ففي تلك الليلة وفي شوارع أنقرة وإسطنبول ومختلف الولايات التركية أصدر الشعب قرارا معاكسا عندما خرج الآلاف بدون ترتيب مسبق ليقول بكل وضوح «لقد انتهى زمن الانقلابات العسكرية في تركيا».
في هذا اليوم العظيم الذي خلده التاريخ خرج الشعب التركي عن بكرة أبيه، وبمختلف توجهاته السياسية، متسلحاً بإيمانه، وعشقه للحرية والديمقراطية، ليقول للانقلابيين: «دماؤنا وأرواحنا فداء للحرية والديمقراطية وللشرعية الدستورية».
لقد تابع العالم كله عبر شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي، حين وقف الشعب التركي على جنبات جسر البوسفور أحد أبرز معالم إسطنبول، بصدور شبابه العارية، غير آبه بدبابات الانقلابيين وطائراتهم؛ لأنه يدرك أن إعطاء الفرصة لهؤلاء الانقلابيين سوف يقضي على كل المكتسبات التي حققها في كل المجالات الاقتصادية والثقافية والصناعية والعسكرية.
ورغم كل الأحاديث الكاذبة التي روجت لها وسائل الإعلام المحلية والعالمية عن نجاح الانقلاب، وهروب الرئيس التركي خارج البلاد، أظهر الشعب ثباتاً منقطع النظير وواصل تصديه للانقلابيين، ولم يردعه قصفهم للمتظاهرين العزل بقذائف الدبابات والطائرات ما تسبب في استشهاد 250 شخصا وجرح ألفين آخرين.
وبعد المكالمة الشهيرة التي ظهر فيها الرئيس رجب طيب أردوغان عبر تطبيق فيس تايم، ودعا فيها الشعب لحماية الديمقراطية في البلاد؛ توجه المواطنون بحشود غفيرة لحماية مبنى البرلمان الذي تعرض للقصف الجوي، ورئاسة الأركان بالعاصمة أنقرة، ومطار أتاتورك الدولي بمدينة إسطنبول، ومديريات الأمن في عدد من المدن، ما أجبر آليات عسكرية كانت تنتشر حولها على الانسحاب، وساهم بشكل كبير في إفشال المخطط الانقلابي.
لقد أبهر ثبات الشعب التركي في الميدان العالم وشكل مفاجأة كبرى لقادة الانقلاب، الذين قرروا الانتقام بشكل وحشي، فبدأت دباباتهم في دهس المتظاهرين وسياراتهم، في مشهد همجي ووحشي وثقته العشرات من مقاطع الفيديو.
وفي مجلس الأمة الكبير (البرلمان)، تشكلت صورة أخرى من صور حرص الأتراك على الحرية والديمقراطية، عندما سارعت أحزاب المعارضة المختلفة للتعبير عن رفضها القاطع لأية محاولة انقلاب على الديمقراطية، ووقف نواب جميع هذه الأحزاب حكومة ومعارضة تحت قبة البرلمان يهتفون معاً ضد الانقلاب.
لقد أربك هذا التلاحم الشعبي حسابات الانقلابيين وأفقدهم صوابهم، فراحوا يصبون حمم طائراتهم على قصر الرئاسة، ومقرات المخابرات والقوات الخاصة، وشرطة العمليات الخاصة، وغيرها من مؤسسات الدول، ويتعاملون بوحشية مع الشعب.
لقد ظل الشعب التركي شهراً كاملاً في الشوارع والميادين بعد فشل محاولة الانقلاب، للحفاظ على مكتسباته وقيمه؛ إلا أنه لم يتعرض لهؤلاء الانقلابيين بأذى، ولم تسقط منهم قطرة دم واحدة مع أنهم قتلوا عشرات المواطنين العزل، وأحيل أمرهم إلى المحاكم لينالوا جزاءهم وفق القانون. 
وبعد لوحة عظيمة من الصمود والثبات رسمها الشعب، فشلت محاولة الانقلاب وأجبر الانقلابيون على الاستسلام لقوات الشرطة، وقررت الحكومة بعدها تغيير اسم جسر البوسفور الذي كان شاهداً على إجرام الانقلابيين، وتضحيات الشعب إلى جسر الشهداء، تخليداً لأولئك الأبطال الذين قدموا أرواحهم ثمناً لحرية وطنهم.
لقد خطط فتح الله غولن ورجاله لإعادة تركيا عشرات السنين إلى الوراء، لكنها خرجت بفضل الله ثم بصمود شعبها أقوى بعد تلك المحاولة الانقلابية، وبدأت في اتخاذ الكثير من التدابير لإعادة هيكلة سياساتها الداخلية وشؤونها الخارجية، وفي مقدمة تلك القرارات إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والتحول للنظام الرئاسي.
إننا في ذكرى هذا اليوم العظيم نوجه التحية بافتخار للشعب التركي في يوم عيده، عيد الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، كما نوجه التحية لقيادته التي أعطت النموذج في القيادة الواعية الحكيمة المستعدة للتضحية من أجل الحفاظ على المبادئ التي انتخبها الشعب التركي من أجلها.
كما نوجه الشكر لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والذي بادر كعادته وكان أول من اتصل بالرئيس أردوغان ليلة الانقلاب، لتقديم دعم قطر للحكومة والشعب التركي، في لفتة إنسانية نبيلة تعمق الإخوة والصداقة المتينة بين البلدين.
لقد ودعت تركيا اليوم ماضيها اللاديمقراطي، واتجهت نحو مستقبل واعد تسوده المحبة والسلام والحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، تمد يدها لشعوب العالم وحكوماته ومؤسساته الديمقراطية لإرساء دعائم عالم لا مكان فيه للإرهاب وظلم الشعوب واستعمارها واحتلال أراضيها ونهب ثرواتها وخيراتها.